الخميس، 8 يناير 2026

من معانى اليد في القرآن الكريم





 من معانى اليد في القرآن الكريم

قال تَعَالَى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} سورة المائدة.
قال النسفي في تفسيره: “رُوِيَ أَنَّ الْيَهُودَ لَمَّا كَذَّبُوا مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَفَّ اللَّهُ مَا بَسَطَ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّعَةِ، وَكَانُوا مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ مَالًا، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَ فَنُحَاصُ بن عازوراء وهو من اليهود: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ، وَرَضِيَ بِقَوْلِهِ الْآخَرُونَ، فَأُشْرِكُوا فِيهِ.
وَغَلُّ الْيَدِ وَبَسْطُهَا: مَجَازٌ عَنِ الْبُخْلِ وَالْجُودِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} الْإِسْرَاءُ.
واليد في كلام العرب تكون أحيانا للجارحة كقوله تعالى: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ} وهذا محال على الله تعالى، وتكون للنعمة، تقول العرب: كم يد لي عند فلان، أي: كم من نعمة لي قد أسديتها له.
وتكون للقوة؛ قال الله عز وجل: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ} أي: ذا القوة.
وقوله تعالى: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَييْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ}
قال ابن عباس رضي الله عنهما: {بِأَيْدٍ} أي بقدرة، وليس المقصودُ باليد هنا الجارحةَ التي لنا فإن الله تعالى منزه عن ذلك، فاليدُ تأتي بمعنى القدرة، والقدرةُ هي القوةُ.
وتكون للملك والقدرة، قال الله تعالى: {قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ}.
وتكون بمعنى الصلة، قال الله تعالى: {مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ} أي: مما عملنا نحن
وقال: {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} أي الذي له عقدة النكاح.
وتكون بمعنى التأييد والنصرة، ومنه الحديث: عَنْ أَبِي أَيُّوبَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “يَدُ اللَّهِ مَعَ الْقَاضِي حِينَ يَقْضِي، وَيَدُ اللهِ مَعَ الْقَاسِمِ حِينَ يَقْسِمُ”
قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ: مَعَهُ بِالتَّأْيِيدِ وَالنُّصْرَةِ وَكَذَلِكَ هُوَ مَعَ الْجَمَاعَةِ بِالتَّأْيِيدِ وَالنُّصْرَةِ.
وتكون لإضافة الفعل إلى المخبر عنه تشريفا له وتكريما، قال الله تعالى: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} فلا يجوز أن يحمل على الجارحة.
فمن حمل إضافة الوجه أو اليد أو العين الوارد في القرآن أو الحديث في حق الله تعالى على الحقيقة أي على هذه الأعضاء والجوارح المؤلَّفة والمركَّبة كما فعلت المجسمة فقد كذَّب الله تعالى.
الوجه والعين واليد إذا أضيفت إلى الله فلها معنى يليق بالله تعالى ليس بجسم ولا حجم ولا جارحة ولا هيئة ولا صورة ولا كيفية ولا كمية.

كرامات ابن تيمية وفراسته




الفصل التاسع في ذكر بعض كرامته وفراسته :
أخبرني غير واحد من الثقات ببعض ما شاهده من كراماته، وأنا أذكر بعضها على سبيل الاختصار،
وأبدأ من ذلك ببعض ما شاهدته. فمنها: أنه جرى بيني وبين بعض الفضلاء منازعة في عدة مسائل، وطال كلامنا فيها، وجعلنا نقطع الكلام في كل مسألة بأن نرجع إلى الشيخ وما يُرجحه من القول فيها. ثم إن الشيخ رضي الله عنه حضر، فلما هممنا بسؤاله عن ذلك سَبَقنا هو وشرع يذكر لنا مسألة مسألة كما كنا فيه، وجعل يذكر غالب ما أوردناه في كل مسألة، ويذكر أقوال العلماء، ثم يرجح منها ما يُرجحه الدليل، حتى أتى على آخر ما أردنا أن نسأل عنه، وبيَّن لنا ما قصدنا أن نستعمله منه، فبقيتُ أنا وصاحبي ومَن حَضَرَنا مبهوتين متعجبين ممّا كاشَفَنا به، وأظهره الله عليه ممّا كان في خواطرنا. (1/773)
وكنت في خلال الأيام التي صحِبْته فيها إذا بحث مسألةً يحضر لي إيرادٌ، فما يستتمُّ خاطري به، حتى يشرع فيورده ويذكر الجواب من عدّة وجوه. (1/773)
وحدّثني الشيخ الصالح المقرئ أحمد بن الحريمي أنّه سافر إلى دمشق، قال: فاتفق أنّي لمّا قدمتها لم يكن معي شيء من النفقة البتة، وأنا لا أعرف أحدًا من أهلها، فجعلت أمشي في زقاق منها كالحائر، فإذا بشيخ قد أقبل نحوي مسرعًا فسلَّم، وهشَّ في وجهي، ووضع في يدي صُرَّة فيها دراهم صالحة، وقال لي: أنفق هذه الآن فيما أنت فيه، فإن الله لا يضيعك، ثم رُدَّ على أثره كأنه ما جاء إلا من أجلي، فدعوت له وفرحت بذلك، وقلت لبعض من رأيته من الناس: من هذا الشيخ؟ فقال: وكأنك لا تعرفه، هذا ابن تيمية، لي مدة طويلة لم أره اجتاز بهذا الدرب. وكان جُلُّ قصدي من سفري إلى دمشق لقاءه، فتحقَّقتُ أنّ الله أظهره عليّ وعلى حالي، فما احتجت بعدها إلى أحد مدّة إقامتي بدمشق، بل فتح الله عليّ من حيث لا أحتسب (1/773)
وحدّثني الشيخ العالم المقرئ تقي الدين عبد الله ابن الشيخ الصالح المقرئ أحمد بن سعيد قال: سافرت إلى مصر حين كان الشيخ مقيمًا بها، فاتّفق أنّي قدمتها ليلًا وأنا مُثقل مريض، فأُنزلت في بعض الأمكنة، فلم ألبث أن سمعت من ينادي باسمي وكنيتي، فأجبته وأنا ضعيف، فدخل إليّ جماعة من أصحاب الشيخ ممّن كنت قد اجتمعت ببعضهم في دمشق، فقلت: كيف عرفتم بقدومي، وأنا قدمتُ هذه الساعة؟ فذكروا أنّ الشيخ أخبرنا أنّك قدمت وأنت مريض، وأمرنا أن نسرع بنقلك، وما رأينا أحدًا جاء، ولا أخبرنا بشيء، فعلمت أنّ ذلك من كرامات الشيخ رضي الله عنه. وحدثني أيضًا قال: مرضت بدمشق ــ إذ كنت بها ــ مرضةً شديدة منعتني حتى من الجلوس، فلم أشعر إلا والشيخ عند رأسي وأنا مثقل بالحُمّى والمرض، فدعا لي وقال: جاءت العافية، فما هو إلا أن فارقني وجاءت العافية وشُفيت من وقتي. (1/774)
أخبرني الشيخ ابن عماد الدين المقرئ المطرّز قال: قدمت على الشيخ ومعي حينئذ نفقة، فسلّمت عليه، فردّ عليّ ورحّب بي، وأدناني ولم يسألني هل معك نفقة أم لا. فلما كان بعد أيّام وقد نفِدَت نفقتي أردت أن أخرج من مجلسه بعد أن صليت مع الناس وراءه، فمنعني وأجلسني دونهم، فلما خلا المجلس دفع إليَّ جملة دراهم، وقال: أنت الآن بغير نفقة، فارتفق بهذه، فعجبت من ذلك، وعلمت أنّ الله كشَفَه على حالي أوّلًا لما كان معي نفقة، وآخرًا لما نفِدَت واحتجت إلى نفقة. (1/775)
وحدّثني من لا أتهمه أنّ الشيخ ــ رضي الله عنه ــ حين نزل المُغلبالشام لأخذ دمشق وغيرها، رجَفَ أهلُها وخافوا خوفًا شديدًا، وجاء إليه جماعةٌ منهم وسألوه الدعاء للمسلمين، فتوجه إلى الله، ثم قال: أبشروا، فإن الله يأتيكم بالنصر في اليوم الفلاني بعد ثالثة، حتى ترون الرؤوس معبّأة بعضها فوق بعض. قال الذي حدثني: فوالذي نفسي بيده ــ أو كما حلف ــ ما مضى إلّا ثلاثٌ ــ مثل قوله ــ حتى رأينا رؤوسهم كما قال الشيخ، على ظاهر دمشق، معبأة بعضها فوق بعض) وذلك في معركة شقحب سنة (702 هـ)(1/776)
وحدّثني الشيخ الصالح الورع عثمان بن أحمد بن عيسى النسّاج أنّ الشيخ ــ رضي الله عنه ــ كان يعود المرضى بالبيمارستان بدمشق، في كل يوم، فجاء على عادته فعادهم، فوصل إلى شاب منهم فدعا له، فشُفي سريعًا، وجاء إلى الشيخ يقصد السلام عليه، فلما رآه هشَّ له وأدناه، ثم دفع إليه نفقةً وقال: قد شفاك الله، فعاهد الله أن تعجل الرجوع إلى بلدك، أيجوز أن تترك زوجتك وبناتٍ لك أربعًا بلا نفقة وتقيم هاهنا، فقال الفتى: فقبّلت يده وقلت: يا سيدي أنا تائب إلى الله على يدك، وعجبت مما كاشفني به، وكنت قد تركتهم بلا نفقة، ولم يكن قد عرف بحالي أحدٌ من أهل دمشق. (1/776)
وحدثني مَن أثق به: أنّ الشيخ ــ رضي الله عنه ــ أُخبر عن بعض القضاة أنه قد مضى متوجّهًا إلى مصر المحروسة ليُقلَّد القضاء، وأنه سمعه يقول: حالما أصل إلى البلد قاضيًا أحكم بقتل فلان، رجل معيّن من فضلاء أهل العلم والدين، قد أجمع الناس على علمه وزهده وورعه، ولكن حصل في
قلب القاضي منه من الشحناء والعداوة ما صوَّب له الحكم بقتله، فعظُم ذلك على من سمعه خوفًا من وقوع ما عَزَم عليه من القتل بمثل هذا الرجل الصالح، وحذرًا على القاضي أن يوقعه الهوى والشيطان في ذلك، فيلقى الله متلبِّسًا بدم حرام، وفتْكٍ بمسلم معصوم الدم بيقين، وكرهوا وقوع مثل ذلك لما فيه من عظيم المفاسد. فأبلغ الشيخ ــ رضي الله عنه ــ هذا الخبر بصفته، فقال: إن الله لا يُمكِّنه ممّا قصد، ولا يصل إلى مصر حيًّا، فبقي بين القاضي وبين مصر قدرٌ يسير، وأدركه الموت، فمات قبل وصولها، كما أجرى الله تعالى على لسان الشيخ رضي الله عنه. قلت: وكرامات الشيخ رضي الله عنه كثيرةٌ جدًّا، لا يليق بهذا المختصر أكثر مِن ذكر هذا القدر منها. ومن أظهر كراماته أنه ما سُمِع بأحدٍ عاداه أو غضّ منه إلا وابتُلي بعدّة بلايا غالبها في دينه، وهذا ظاهر مشهور لا يُحتاج فيه إلى شرح صفته.(1/777)
--------
الكتاب: الأعلام العلية في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية (مطبوع مع العقود الدرية) [آثار شيخ الإسلام ابن تيمية وما لحقها من أعمال (20)]
المؤلف: أبو حفص عمر بن علي البزار (ت 749)
المحقق: علي بن محمد العمران
الناشر: دار عطاءات العلم (الرياض) - دار ابن حزم (بيروت)
راجعه: محمد أجمل الإصلاحي - جديع بن محمد الجديع

 

السبت، 3 يناير 2026

استحباب إطلاق لفظ السيادة في حق الأنبياء والصالحين




 استحباب إطلاق لفظ السيادة في حق الأنبياء والصالحين

لا شك أن لفظ السيادة مشروع فلقد ورد فى القران الكريم فى حق سيدنا يحيى وغيره، فقال تعالى في حق سيدنا يحيى : (وَسَيِّداً وَحَصُوراً)
ومما يدل أيضًا على لفظ السيادة قوله تعالى: (وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا البَابِ) فمن أين لهؤلاء أن يحرموا من قال سيدنا أو مولانا لأحد.
أما عن السنة النبوية المطهرة فقد ورد كثير من الأحاديث في لفظ السيادة ومشروعيته فقال صلى الله عليه وسلم : ” أنا سيد ولد آدم ولا فخر ” ، ” أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ” رواهما أبو داود وابن ماجة
وإقراره صلى الله عليه وسلم قول الأعرابي له :
يا سيد الرسل وديان العرب ** أشكو إليك ذربة من الزرب
رواه أحمد
ورود لفظ السيادة على بعض من الصحابة
عندما نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ فأرسل له رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه على حمار فلما دنا قريباًَ من المسجد قال صلى الله عليه وسلم : ” قوموا إلى سيدكم ” رواه البخاري
وقوله صلى الله عليه وسلم لعلى بن أبى طالب ” أنت سيد في الدنيا سيد في الآخرة “رواه الحاكم في المستدرك , وأن عمر بن الخطاب رضى الله عنه كان يقول إن أبا بكر سيدنا وأعتق سيدنا يعنى بلالاً رواه البخاري
وعن الترمذي عن فاطمة ” أخبرني النبي صلى الله عليه وسلم أنى سيدة نساء العالمين ” رواه البخاري
وروى ابن السنى فى عمل اليوم والليلة عن بريدة أن النبي صلى لله عليه وسلم قال : ” لا تقولوا للمنافق سيدنا فانه إن يكن سيدكم فقد أسخطتم ربكم رواه أحمد في الجزء الخامس وأبو داود
ومقتضى ذلك أن الصالح يجوز لنا أن ندعوه سيدنا فما بالك بالأنبياء والأولياء .
استحباب تسييد النبى صلى الله عليه وسلم فى التشهد
إن من يزعم عدم الإتيان بلفظ السيادة ى التشهد للنبى  لان النبى لم يأتى بها لنفسه فهو لا يفهم مقاصد الشريعة فلا يجوز لنا أن نخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالألفاظ التى يطلقها هو على نفسه والتى يستعملها فى مقام التواضع والخضوع لله عز وجل فقد قال تعالى : ” لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضاً ” النور : 63
من آراء المذاهب :
فعند الشافعية العمل المستمر إلى الآن إثبات السيادة فى التشهد
سندهم الفتوى القوية المذكورة فى ( حاشية الجمل ) على شرح المنهج للشيخ زكريا الأنصاري .
قال بن حجر : إضافة سيدنا قبل محمد لا باس بها بل هو من الآدب فى حقه  ولو فى الفريضة
ابن حجر , الجوهر المنظم .
وذكر ابن حجر : أن لفظ لا تسيدونى فى الصلاة كذب ولحن أما الكذب فلم يرد عن النبى صلى الله عليه وسلم وأما اللحن فالصواب لا تسودونى فى الصلاة لان الكلمة واوية لا يائية
الدر المختار على شرح ( الدر المختار ) . .
وقد أقر السيوطى عدم ورود حديث لا تسودونى فى الصلاة ، فهذا الحديث باطل لا أصل له .
_____________
حديث “لا تسوّدوني”: تحقيق علمي في نصٍّ لم يصح عن النبي ﷺ
ما يزال بعض الناس ينكرون على المسلمين قولهم: “سيدنا محمد”، ويزعمون أن النبي ﷺ قال: “لا تسوّدوني”، ويجعلون من هذا القول حجّة على منع تسويد النبي وتعظيمه، وربما يصل الحال إلى إنكار الصلاة عليه بلفظ السيادة في التحيات والصيغ المعروفة.
فهل ثبت هذا الحديث؟
وهل النهي عن “التسويد” له أصل؟
هذا ما نحاول تبيينه في هذا المقال المختصر، خدمة لسنّة الحبيب المصطفى، وردًا على من ينقل دون تثبّت أو علم.
أولًا: لا أصل لحديث “لا تسوّدوني”
بعد مراجعة دواوين الحديث الشريف، من الصحيحين والسنن والمسانيد والمعاجم، لم نجد أي أثر صحيح أو ضعيف أو حتى موضوع فيه هذا اللفظ: “لا تسوّدوني”، أو “لا تقولوا سيدنا”.
وقد نص على ذلك كبار المحدثين والعلماء:
قال الإمام الزرقاني (في شرح المواهب اللدنية):
“أما ما يُروى عن النبي ﷺ من قوله: لا تسوّدوني في صلاتكم، فحديث لا أصل له”
وقال الإمام السخاوي في “القول البديع”:
“ما نُقل من النهي عن التسويد لا يُعرف، ولا يثبت عنه ﷺ”
وبذلك يتبيّن أن هذا الحديث مكذوب عليه ﷺ، ولا يجوز نسبته إليه، ولا الاستدلال به في أي موضع.
ثانيًا: ما ثبت عن النبي ﷺ يُخالف هذا الزعم
لقد أثبت النبي ﷺ السيادة لنفسه في أحاديث صحيحة مشهورة، منها:
1. «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر» (رواه مسلم)
2. «أنا سيد الناس يوم القيامة» (رواه البخاري).
فهذه أحاديث صحيحة قطعية، يُثبت فيها ﷺ سيادته، وهي سيادة شرّف الله بها نبيّه، لا ينال منها شيء، ولا يمنّ بها، بل قالها ليُعلّم الأمة قدره، ويعرّفها مقامه.
ثالثًا: سيادته ﷺ مقررة عند الأمة
لقد أجمعت الأمة على أن النبي ﷺ هو سيد ولد آدم، وأشرف الخلق، وأكرمهم على الله، وقد كان الصحابة يقولون له “سيدنا” من دون نكير.
وكان الإمام الشافعي يقول:
“أحب أن يُكثر الناس من الصلاة على النبي ﷺ، ولا يُصلى عليه إلا ويقال: اللهم صلّ على سيدنا محمد” (نقله الزركشي في “التذكرة”)
فلم يُنكر النبي ﷺ هذا التسويد، بل أقرّهم، وعلّمه للأمة، ودعاهم إلى محبته وتوقيره، فقال تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: 9]
رابعًا: التسويد أدب لا غلو
إن بعض الناس يُوهِم أن تسويد النبي ﷺ نوع من الغلو، وهذا من الجهل بمقام النبوة.
فالتسويد لا يعني تأليه النبي، ولا رفعه فوق البشرية، وإنما يعني:
الإقرار بمقامه الشريف.
التعظيم الواجب له.
التأدب في النداء والخطاب.
تقديمه في الدعاء والذكر.
وقد أجاز العلماء إدخال لفظ السيادة في التشهد والصلاة الإبراهيمية، واعتبروه مستحبًا، لا بدعة.
اللهم صلِّ على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم، وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، في العالمين إنك حميد مجيد.

السلف وعصر يوم الجمعة



السلف وعصر يوم الجمعة :
قال أحد السلف : " من استقامت له جمعته ، استقام له سائر أسبوعه ".
و جاء في فتح الباري - كتاب الجمعة ( ۱۹۲۲) :
‏كانت السيدة ‎فاطمة الزهراء رضي الله عنها إذا كان يوم ‎الجمعة ، أرسلت غلاماً لها ينظر لها الشمس ، فإذا أخبرها أنها تدلت للغروب ، أقبلت على الدعاء إلى أن تغيب.
وجاء في كتاب أخبار القضاة :
كان المفضل بن فضالة رحمه الله تعالى إذا صلى عصر يوم الجمعة ، خلا في ناحية المسجد وحده ، فلا يزال يدعو حتى تغرب الشمس.
وجاء في تاريخ واسط :
كان طاووس بن كيسان رحمه الله تعالى إذا صلى العصر يوم الجمعة ، أستقبل القبلة ، ولم يكلم أحدًا حتى تغرب الشمس.
ذكر ابن عساكر في كتابه :
يقول أحد الصالحين :
" ما دعوت الله بدعوة بين العصر والمغرب يوم الجمعة ، إلا استجاب لي ربي حتى استحييت! ".
وجاء في تاريخ دمشق :
" أصاب العمى الصلت بن بسطام ، فجلس إخوانه يدعون له عصر الجمعة ، وقبل الغروب عطس عطسة ، فرجع بصر
و كان سعيد بن جبير إذا صلى العصر ، لم يكلم أحدًا حتى تغرب الشمس .
الخلاصة:
كان بعض السلف يقول :
لاتبكِ الميت إذا مات ، وابكِ عصر الجمعة إذا فات.
‏جمعة طيبة مباركة أحبتي في الله

 

هل طلب ما لا يقدر عليه إلا الله شرك ؟




 هل طلب ما لا يقدر عليه إلا الله شرك ؟

✨
ومن جملة الدعاوي الباطلة التي يتمسك بها هؤلاء المكفرون لمن يتوسل بالنبي ﷺ أو يطلب منه : قولهم : إن الناس يطلبون من الأنبياء والصالحين الميتين ما لا يقدر عليه إلا الله، وذلك الطلب شرك.
وجوابه : أن هذا سوء فهم لما عليه المسلمون في قديم الدهر وحديثه ؛ فإن الناس إنما يطلبون منهم أن يتسببوا عند ربهم في قضاء ما طلبوه من الله عز وجل، بأن يخلقه سبحانه بسبب تشفعهم ودعائهم وتوجههم، صح ذلك في الضرير وغيره ممن جاء طالبا مستغيا متوسلا به إلى الله، وقد أجابهم إلى طلبهم وجبر خواطرهم وحقق مرادهم بإذن الله، ولم يقل لواحد منهم: أشرکت.
وهكذا كل ما طلب منه من خوارق العادات؛ كشفاء الداء العضال بلا دواء، وإنزال المطر من السماء حين الحاجة إليه ولا سحاب، وقلب الأعيان، ونبع الماء من الأصابع، وتكثير الطعام، وغير ذلك فهو مما لا يدخل تحت قدرة البشر عادة، وكان يجيب إليه ولا يقول عليه الصلاة والسلام لهم: إنكم أشركتم فجددوا إسلامكم، فإنكم طلبتم مني ما لا يقدر عليه إلا الله.
أفيكون هؤلاء أعلم بالتوحيد وبما يُخرِج عن التوحيد من رسول الله ﷺ وأصحابه، هذا ما لا يتصوره جاهل فضلا عن عالم.
وحكى القرآن المجيد قول نبي الله سليمان لأهل مجلسه من الجن والإنس : ( قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ) النمل: ۳۸، فهو يطلب منهم الإتيان بالعرش العظيم من اليمن إلى موضعه بالشام على طريقة خارقة للعادة؛ لیكون ذلك آية لصاحبته داعية إلى إيمانها .
ولما قال عفريت من الجن : ( قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ) النمل: ۳۹ يعني في ساعات قليلة، قال نبي الله عليه الصلاة والسلام: أريد أعجل من ذلك، فقال الذي عنده علم من الكتاب وهو أحد الصديقين من أهل مجلسه من الإنس: (قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ) النمل: ٤٠ ؛ يعني قبل أن يرجع إليك طرفك إذا أرسلته، فقال عليه الصلاة والسلام: ذلك أريد. فدعا الرجل فإذا بالعرش بين يديه .
فالإتیان بالعرش على هذه الطريقة هو مما لا يقدر عليه إلا الله، وليس داخلا تحت مقدور الإنس ولا الجن عادة، وقد طلبه سليمان من أهل مجلسه ، وقال ذلك الصديق له: أنا أفعل ذلك، أفكفر نبي الله سليمان بذلك الطلب وأشرك ولى الله بهذا الجواب؟ حاشاهما من ذلك، وإنما إسناد الفعل في الكلامین على طريقة المجاز العقلي، وهو سائغ بل شائع. وكشف الخفاء عن هذا اللبس إن كان ثم خفاء هو أن الناس إنما يطلبون منهم التشفع إلى الله في ذلك، وهو مما أقدرهم الله عليه، وملكهم إياه ، فالقائل: يا نبي الله اشفني أو اقض ديني، فإنما يرید: اشفع لي في الشفاء،
وادع لي بقضاء ديني، وتوجه إلى الله في شأني؛ فهم ما طلبوا منهم . إلا ما أقدرهم الله عليه وملكهم إياه من الدعاء والتشفع.
وهذا هو الذي نعتقده فيمن قال ذلك وندين الله على هذا، فالإسناد في كلام الناس من المجاز العقلي الذي لا خطر فيه على من نطق به؛ كقوله سبحانه وتعالى :
(سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعلَمُون) (36) يس ، وقوله
عليه الصلاة والسلام : (إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطاً أو يلم).
وهو في کلام الله ورسوله والخاصة والعامة كثير جدا، وليس فيه
محذور؛ فإن صدوره من الموحدين قرينة على مرادهم، وليس فيه شيء من سوء الأدب، وقد فصلنا هذه الحقيقة في مبحث خاص بها من هذا الكتاب .
................... ................
للشيخ محمد بن علوي المالكي رضي الله عنه 💚 ✨