مفهوم قاعدة: الأصل في العبادات التوقيف...!
من المساوئ العلمية التي نتأذى منها أننا نجد في زماننا من يُصَدِّرُ نفسه للإفتاء والكلام في الحرام والحلال، وهو لا يستطيع فهم كلام أئمة الفقه والأصول، فيأخذ كلامهم ويبعد النجعة في فهمه، فيستدل به في غير محلِّه، وقد رأينا ذلك باديًا في فهم قاعدة: «الأصل في العبادات التوقيف».
فإنك ما تسأل أحدهم عن حكم من يجعل له وردًا من الذكر، إلا وقال لك: الأصل في العبادات التوقيف...!
فإذا سألته عن حكم قول المصلي: اللّهم صلِّ على سيدنا محمد في التشهد؟ إلا قال لك: الأصل في العبادات التوقيف؟
ما حكم عمل ختمة قرآن؟ يقول لك: الأصل في العبادات التوقيف، وقس على ذلك ألف مسألة.
فأصبحت أحكامهم تنم عن عقليات ضعيفة لا بصر لها بأحكام الشريعة وقواعدها...!
وهنا أشير إلى بيان معنى القاعدة، وطريقة فهمها عند العلماء، فنقول: طَبَّقَ العلماء هذه القاعدة على معنيين أساسيَّين:
المعنى الأول:
الأصل في العبادات التوقيف، بمعنى التعبد، يعني: لماذا جعل الله تعالى الظهر أربعًا، والمغرب ثلاثًا؟ ولِمَ كان الطواف بالبيت سبعًا؟ ولِمَ مُنِعَ المسلمُ أن يجمع أكثر من أربع نسوة؟ ومثل هذه الأسئلة كثير، لا حصر لها...!
فكان الأصوليون لدقة فهمهم يقولون:
الأصل في العبادات التوقيف، أي: لا مجال لتعليلها بالعقل، ولا ينفي ذلك أن لها حِكَمًا ومقاصد قد تظهر للمجتهد، ولكن الأصل فيها أنها موقوفة على مراد الله تعالى منها؛ لأن الحِكَم والمقاصد متغيرة بتغير العقول واختلاف الأزمان، أما حكمة الله فلا، حتى قال الإمام القُدُوري: «وتخصيص العبادات بوقت لا يُعلَم إلَّا من جهة التوقيف»...!
وقال الإمام الكاساني عند السر في تحديد أنصبة الزكاة: «وطريق معرفة النُّصُب التوقيف دون الرأي والإجتهاد».
وقال الإمام الشاطبي: «الأصل في العبادات بالنسبة إلى المكلف التعبد دون الإلتفات إلى المعاني، وأصل العادات الإلتفات إلى المعاني»...!
فهذه تطبيقات الفقهاء الواضحة في معرفة قاعدة: «الأصل في العبادات التوقيف»، ليعلم المعاصرون أنهم يطبقون القاعدة في غير محلَّها فيفتئتون على أحكام الشريعة بغير علم...!
المعنى الثاني:
الأصل في العبادات التوقيف إلَّا إذا كان لها أصل في الشرع، فلم يحرم أئمة الإسلام شيئًا إلَّا إذا كان مخالفًا للشرع، أو يتصادم مع قواعده العامة، ولذا ورد عن السلف مئات من العبادات التي لم ترد بصورتها عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإن اختلفت في مضمونها، واستقرت الأمة على قبولها…!
فجمع سيدنا عمر الناس في صلاة التراويح على عشرين ركعة وانعقد الإجماع على ذلك من الصحابة ولم ينكر أحدهم بقوله: إن الرسول صلى الله عليه وسلم ما صلى عشرين ركعة؟
وثبت عن سيدنا سَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو الْقُرَشِيِّ، قَالَ: اتَّبَعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ لِأَتَعَلَّمَ مِنْهُ، فَمَا رَأَيْتُهُ يُصَلِّي السُّبْحَةَ، وَكَانَ إِذَا رَآهُمْ يُصَلُّونَهَا، قَالَ: «مِنْ أَحْسَنِ مَا أَحْدَثُوا سُبْحَتَهُمْ هَذِهِ». وفي لفظ: عَنِ الْحَكَمِ بْنِ الْأَعْرَجِ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ، عَنْ صَلَاةِ الضُّحَى وَهُوَ مُسْتَنِدٌ ظَهْرُهُ إِلَى حُجْرَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: بِدْعَةٌ وَنِعْمَتِ الْبِدْعَةُ…!
وفي «صحيح البخاري» تقول السيدة عائشة: «ما سبَّح رسول الله صلى الله عليه وسلم سُبْحة الضحى قط وإني لأسبّحها»، أي: ما تنفَّل رسول الله صلى الله عليه وسلم نافلة الضحى قط، وإني لأتنفَّلُها…!
فتنبَّه أن الرسول صلى الله عليه وسلم كما كانت تجزم السيدة عائشة- في رأيها- أنه ما صلى الضحى، ولكنها كانت تصليها مع علمها- مبلغ علمها- أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يصلِّها…!
وجاء في «سنن أبي داود» بإسناد صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما قال عن التحيات: زدتُ فيها: وحدَه لا شريك له، وأشهدُ أن محمدًا عبده ورسولُه. وكأنه ما سمع ذلك مرفوعًا.
وثبت أيضًا عن سيدنا جابر بن عبد الله وابن عمر وعائشة زيادة: «بسم الله» في أول التحيات…!
وقد روى هذا الإمام مالك في «الموطأ» عن ابن عمر، و«أبي يعلى» عن جابر، والبيهقي في «السنن الكبرى» عن عائشة، حتى بوَّب البيهقي بابًا في «السنن الكبرى» بعنوان: (باب من استحب أو أباح التسمية قبل التحية)…!
فأين مسألة التوقيف في العبادات هنا؟؟
وهل كان الصحابة بهذا يقرون بأن الأصل التوقيف على فهم المعاصرين؟ أقول: كلا، بل كان المعيار عندهم هو موافقة أصل الشريعة وقواعدها من عدمه…!
فإن وافقت العبادة المحدثة أصل الشريعة قبلوها، وإن خالفت ردوها، وقبل الموافقة والمخالفة لا بد أن تكون أصول الشريعة ومقاصدها معلومة مستقرة حتى لا تتسرع في الحكم فتخطئ مراد الشارع…!
فالمقرر من ذلك أن الصحابة الكرام رأوا أن هذه العبادات هنا لا تصادم الشريعة ولا تضادها، فأقروها، وحثوا الناس عليها، حتى وإن لم يكن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم فعل هذه العبادة بعينها، إلا أنها تتماشى مع ما جاءنا به صلى الله عليه وسلم، حتى قال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر عند حديث رد المحدثات: «وهذا الحديث معدود من أصول الإسلام، وقاعدة من قواعده، فإن معناه: من اخترع في الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله فلا يُلتفت إليه».
فتنبه قيده: «ما لا يشهد له أصل من أصوله»، فإن شهد له أصل من أصوله فهو مقبول…!
ولذا ردوا العبادة التي تخالف النص الشرعي، كقوله في الأضحية: «الجذور عن سبعة» فلم يجوزوه عن ثمانية، وجوزوه بأقل من السبعة؛ لأنه يتماشى مع قواعد الشرع.
ولم يجوزوا التقرب إلى الله تعالى بجعل صلاة الصبح أربع ركعات؛ لأن ذلك مخالف للنص وإن قُصِدَ التقرب…!
وقس على ذلك عشرات المسائل التي يُحكم عليها بالبدعة من قبل الوهابية، واجعل هذا المعيار هو أساس حُكمك، حتى تسلم وتسعد…!
فمن الخطأ جعل قاعدة التوقيف سيفًا على كل عبادة لم ترد بصورتها المعهودة…!
وبالله التوفيق...!
الشيخ : أحمد بن حسن أبو غزالة الأزهري

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق