الجمعة، 6 نوفمبر 2026

مدخل إلى فهم واقع التشدد في هذا الزمان



ثلاثية الهدم لا البناء
مدخل إلى فهم واقع التشدد في هذا الزمان
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن آمن به ووالاه
وبعد
فإن مما يجب على دارس ملف التشدد الفكري والديني أن يعلمه ويتعلمه، هو الهوية العلمية والمرجعية الدينية للأمة عبر القرون . حتى تعالت أصوات التطرف وجـُعلت لها أبواق إعلامية أسهمت في تناميها وانتشار أفكارها بين أوساط متعددة من المجتمع المسلم .
وإن الهوية الإسلامية من الجهة العلمية مكونة من ثلاثة أركان، هي : الاعتقاد – الفقه – والسلوك، وقد مثل الهوية العلمية الإسلامية من جهة الاعتقاد السادة الأشاعرة والماتريدية، وأهل الحديث مضافون إليهم إن أردنا توسعا .
ومن جهة الفقه مثلت المذاهب الفقهية الأربعة المرضية هوية الأمة الفقهية دون رفض لبقية المذاهب .
ومن جهة السلوك فمثل السادة الصوفية العلماء مرجعية الأمة في السلوك والتزكية، فتلك مكونات الهوية العلمية الدينية للأمة الإسلامية عبر القرون .
وفي الحقيقة، لقد قدمت بهذه المقدمة لأضعها بين يدي إخواننا الذين ينزعجون من هجمات المتطرفين على التصوف وأهله، ويكيلون له الاتهامات، محاولين وصم التصوف وأهله بالشرك، حتى يسقطوا الصوفية من موضعهم الشريف الذي نفعوا به الدين قرونا بعد قرون .
#فأقول لأبناء جيل السلامة :
إن المتشددين – في مشروعهم الإقصائي – لم يقتصروا أبدا على الصوفية، لكنهم لم يتركوا أحدا قط إلا وعملوا على إسقاطه، فلا تظن أن المخطط هو صوفي محض، بل المخطط مخطط احتكاري إقصائي، فإما أن تكون معي وإما أن تكون ضدي، وإن كنت ضدي فسأحاربك، وأعمل على اغتيالك معنويا، حتى أبعدك تماما عن دائرة الضوء .
#وتفصيلا لهذا الإجمال:
فاعلم أن المتشددين لديهم مشروع ضخم لتغيير الهوية الإسلامية، بكل أركانها، في العقيدة والشريعة والسلوك .
ففي العقيدة تجد المتشددين يشيعون أن عقيدة الأشاعرة عقيدة فاسدة، كذا عقيدة الماتريدية، ثم تراهم ينسبون نفوسهم لعقيدة أهل الحديث، فالمتشددون يشنعون على الأشاعرة والماتريدية أشد التشنيع، وقد تصل اتهاماتهم لهم إلى حدود لا يقبلها عقل علمي ولا مروءة دين أبدا، فهم يتخذون من ملف الصفات الإلهية الخبرية ملفا لتشويه الحقائق، ويزعمون أن الأشاعرة والماتريدية كليهما خالفوا السلف الصالح في هذا الباب، وأنى للأشاعرة والماتريدية ذلك وهم الذين كونوا وجدان الأمة عبر القرون، ومثلوا أهل السنة كما تشهد بذلك كتب التراث وكتب التراجم والطبقات .
تصور أن يأتي زمان يتهم فيه أهل السنة بأنهم ليسوا من أهل السنة أصلا، ويزعم المتخبطون عقديا وفقهيا وسلوكيا أنهم هم أهل السنة، ويستنفذون طاقاتهم وأموالهم وقنواتهم في سبيل ذلك، وكيف لا ؟ وقد وجدوا في ذلك بضاعة رائجة تجلب لهم ملايين الدولارات عبر مشاهدات اليوتيوب والفيسبوك وما إليها، فاتخذوا تكفير أهل القبلة حرفة مزقوا بها الأمة، وشتتوا بها المجتمع، وانصرفوا عن الملفات المهمة كالنهوض بالأخلاق ولا
معالجة المشكلات التربوية والأسرية والمجتمعية إلى ملفات أخرى تثير الفتنة وتتبع متشابه القول .
#وفي ملف الاعتقاد، تخيل أن تنزيه الباري عزوجل عن مشاكلة المخلوقين يكون شيئا مرفوضا لديهم، ويكون مذهب ( التفويض ) مذهبا منكرا، ويصرون على التعرض لمتشابه الآيات، غافلين غفلة تامة عن قوله تعالى : ( فأما الذين في قلوبهم مرض فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ....)، وما ضرهم لو صمتوا تماما تجاه تلك الآيات وفوضوا الأمر فيها لله تعالى ؟!، لكنها الفتنة العمياء المأجورة المدعومة .
#ومن أقبح ما لدى هؤلاء جرأتهم على التشبيه والتجسيم، ووصفهم الله تعالى بالجهة، والحدوث، والطلوع والنزول الحقيقي، وبالحلول الذاتي في السماء التي هي مخلوقة لله، وجرأتهم بالسب والشتم وقذارات الألفاظ على أي معارض لهم، وهذا أمر تستطيع الوصول إليه ورؤيته بوضوح على صفحات وسائل التواصل متى أردت، فكيف تنتظر خيرا من هؤلاء الذين رفعوا راية السلف والسلف وجد السلف صلى الله عليه وسلم منهم براء، فما وجدنا في أخلاق السلف إلا الوراثة النبوية والأدب الكامل ؟
#ثم نأتي إلى المكون الثاني للهوية العلمية الدينية وهو المذاهب الفقهية، فقد وجد المتطرفون المذاهب الفقهية وما قرره أهل العلم حجر عثرة يقف أمامهم في سبيل تمكين أفكارهم، فاتخذوا السبيل ذاته في تشويه الحقائق، فأعلنوا بدعتهم الكبرى وهي بدعة ( اللامذهبية ) ومؤداها أن الإنسان يجب عليه ألا يقلد مذهبا بعينه، بل يأخذ دينه من الكتاب والسنة مباشرة، في جرأة غير مسبوقة عبر التاريخ الإسلامي، فأغروا الجهال من العوام بالكلام والتصدر دون أهلية، بل ودون دراسة للعلوم الشرعية ولو بأدنى مستوياتها، وفتحوا الباب لأكبر فتنة حاصلة وهي تحول الوعاظ إلى الإفتاء، حتى صار هؤلاء الأحداث يناقشون ما قاله الأئمة تحت عنوان ( هم رجال ونحن رجال )، بل وصاروا يعقدون مجالس للحكم على الأئمة من حيث الاعتقاد ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
وفي سبيل التمكين لأفكارهم، اتخذوا سبيلا جديدة في الحكم على الأحاديث ودرجاتها، وتصحيح ما أرادوا وتضعيف ما أرادوا، وما كان ذلك إلا لأنهم أرادوا صياغة جديدة لفقه جديد يكتبونه هم بأيديهم، ويتهمون الفقهاء عبر القرون أنهم اعتمدوا على أحاديث ضعيفة في بناء أحكامهم، ومعلومةٌ هي منهجية الأسلاف في التعامل مع الحديث الضعيف والأخذ به بشروط، فظهرت لدى المتطرفين أسماء عمدوا إلى إلصاق الصفات العلمية بها وتغيير أسمائهم لتكون أسماء تضاهي العلماء الكبار ليتحلقوا حولها ويروجوا لها وليوهموا العوام بمكانتهم العلمية الزائفة .
#ثم نأتي إلى ملف السلوك والتزكية ( التصوف ) فنقول :
إن جرأة المتشددين على أهل العقيدة وأهل الفقه لا تجعل جرأتهم على الصوفية أمرا مستغربا، لاسيما وأن الصوفية فيهم طبقات، ففيهم العالم الفقيه وفيهم العامي المنتسب إلى القوم نسبة ثقة ومحبة، ورغبة في الوصول إلى الله عن طريق الصحبة والتلقي .
وإن طبقة العوام من الصوفية طبقة اتسع تعدادها لأسباب كثيرة، منها أسباب غير دينية أصلا، كالصداقات وتأثير الصحبة ، والرغبة في بناء العلاقات، وكعلاج النفس من أمراض ألمت بها، و الرغبة في الترويح عن النفس عن طريق أشكال من الفلكلور حُسبت على التصوف ولا علاقة للتصوف في الحقيقة بها من قريب أو بعيد، حتى إننا نجد الآن شخوصا ليسوا من أهل التصوف العلماء يتكلمون في التصوف منهم فنانون يقصون الكرامات، ويعتقدون في أسرار الخواتم الروحانية، وبعضهم يتكلم عن العلاقة الجن والعالم الآخر ظانا أن هذا شيء من التصوف .
والحق أن كل ذلك عبث لا يتناهى، ولله در الإمام الرائد شيخ شيوخنا الشيخ محمد زكي الدين إبراهيم إذ يقول :
ليس التصوف ذلك العبث الذي
يشقى به الإسلام ممن قد شقوا
إن التصوف يا بني تشوق
فتخلق فتذوق فتحقق
فبيَّن أن الإسلام قد شقي بهؤلاء كما شقي بهم التصوف الحق الذي هو تصوف العلماء .
وكان هذا الاتساع في طبقات المنتسبين إلى التصوف من أكبر أسباب الهجوم عليه، لأن هؤلاء صدرت منهم سلوكيات، وظهرت لديهم توجهات، بل ومعتقدات ليست من الدين ولا هي من التصوف أبدا، فاتخذ المتطرفون هذه الأفعال سبيلا للطعن على التصوف، ورميه وأتباعه بالشرك والقبورية، ليخرجوهم كما أخرجوا الأشاعرة والماتريدية وأهل المذاهب من دائرة الدين كليا، ليبقى لهم الدين وحدهم، ويبقى له حق التصدر والفتيا وحدهم، في سابقة من الإقصاء ربما لم يمر الإسلام عقيدة وفقها وسلوكا بمثلها .
وبعد
فهذا مدخل لا غنى عنه إلى التشدد لديني والفكري وما نعيشه الآن من واقع لابد أن نفهم مفرداته فهما واعيا ليكون هذا الوعي وهذا الفهم سبيلا لمواجهة هذا الفكر المهدد للدين والأوطان .
يتبع إن شاء الله ...
كتبه د. أحمد خميس شتيه الأزهري

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق