الشبهة الرابعة عشرة: إنكار عذاب القبر ونعيمه
أولا - عرض الشبهة:
زعم الدكتور سعد الدين الهلالي أن "عذاب القبر" ليس من العقائد القطعية في الإسلام، بل هو مسألة «ظنية» لم تثبت بنص قرآني صريح، وأن الأحاديث الواردة فيه هي «أحاديث آحاد» لا يُبنى عليها عقيدة، معتبرًا أن القبر هو "دار برزخ" بمعنى السكون والعدم إلى حين البعث، وأن فكرة العذاب والنعيم فيه تخالف عدل الله لأن الحساب الحقيقي يكون يوم القيامة.
توثيق الشبهة :
صرح بذلك في لقاءات ببرنامج «وإن أفتوك»، وفي حوارات صحفية، مكررًا أن عذاب القبر لم يذكر في القرآن صراحة».
مصدر الشبهة عنده :
اتبع مسلك المعتزلة قديمًا في تقديم العقل على النقل في الغيبيات ، واعتبار أن ما لا يدركه الحس (كعذاب المقبور) لا يجب الإيمان به كعقيدة لازمة.
ثانياً - الرد من القرآن الكريم (الدلالات الصريحة):
خلافا لادعائه، وردت في القرآن آيات تدل بوضوح على عذاب البرزخ (قبل القيامة):
1 ـ في شأن آل فرعون : قال تعالى: ﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ) ( غافر : ٤٦].
وجه الاستدلال :
الآية فرقت بين زمنين للعذاب: (الغدو والعشي) وهذا قبل القيامة، و(يوم تقوم الساعة) وهو العذاب الأكبر، فالعرض على النار في الغدو والعشي هو عذاب القبر والبرزخ.
2 ـ في شأن الكفار :
قال تعالى: ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الانعام : ٩٣].
وجه الاستدلال :
كلمة «الْيَوْمَ» تدل على وقوع العذاب فور خروج الروح، وقبل يوم القيامة الطويل.
ثالثاً- الرد من السنة النبوية (المتواترة) :
أحاديث عذاب القبر بلغت حد "التواتر المعنوي"، أي رواها جمع غفير من الصحابة يستحيل تواطؤهم على الكذب:
الأمر بالإستعاذة:
عن عائشة رض الله عنها أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَان يدعو في الصلاة: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النار...» أخرجه البخاري (۸۳۲) ومسلم (٥٨٩).
حديث القبرين:
عن ابن عباس رلله عنهما قال: "مر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقبرين فقال : إنهما ليعذبان ، وما يعذبان في كبير..." أخرجه البخاري (۲۱۸)، ومسلم (۲۹۲).
سؤال الملكين:
عن البراء بن عازب في حديث طويل ومشهور يصف فيه قعود الملكين وسؤالهما للمؤمن والكافر في القبر أخرجه أحمد وأبو داود.
رابعاً - إجماع الأئمة الأربعة وعقيدة أهل السنة:
أجمع الأئمة الأربعة وسلف الأمة على أن الإيمان بعذاب القبر ونعيمه (واجب)، ومن أنكره فقد ضل وابتعد عن جادة أهل السنة:
الإمام أبو حنيفة :
قال في "الفقه الأكبر": «وعذاب القبر للكافرين، ولبعض عصاة المؤمنين حق كائن.
الإمام مالك:
ثبت عنه في «الموطأ» رواية أحاديث عذاب القبر والعمل بمقتضاها، وهو أصل عند المالكية لا يقبل النقاش.
الإمام الشافعي :
قال في "الفقه الأبسط": "الإيمان بعذاب القبر، وفتنة القبر، وسؤال منكر ونكير، كل ذلك حق".
الإمام أحمد بن حنبل :
قال في أصول السنة»: «والإيمان بعذاب القبر، وأن هذه الأمة تُفتن في قبورها وتُسأل عن الإيمان والإسلام... حق».
خامسًا - تفنيد الأساس المنطقي للشبهة:
يرد العلماء على دعوى «العقل» بما يلي:
عالم الغيب:
القبر من عالم الغيب والعقل وظيفته "التصديق" بما صح فيه الخبر، وليس "القياس" على قوانين المادة والدنيا.
تواتر الأحاديث:
الزعم بأنها أحاديث آحاد هو «جهل» بالتخريج؛ فقد رواها أكثر من ٣٠ صحابيًا، وهي في أعلى درجات الصحة.
قدرة الله :
من خلق الإنسان من عدم قادر على إحياء جزء منه (الروح أو بعض الجسد) ليتألم أو ينعم في القبر دون أن يرى الأحياء ذلك (كما يرى النائم في منامه أهوالاً وجسده ساكن بجوارنا).
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق