جرى بيني وبين الأستاذ إحسان عبد القدوس حوار جدير بالتسجيل، وإن مضت عليه بضع سنين، قال لي: أنا أعرف أن رحمة الله واسعة، وقد سمعت حديثًا قدسيًا جاء فيه: «إن رحمتي سبقت غضبي»، أو «غلبت غضبي». وفي القرآن الكريم: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ}. فإن يكن الأمر كذلك فلماذا خُلِقَت جهنم؟ وإذا وجدت فلماذا تُخلَّد؟!
قلت له: في كل سباق بين الناس لابد من مكافآت للمحسنين وعقوبات للمسيئين، وليس من الحكمة أن يُسوى بين الفريقين، قال تعالى: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ}؟
والله سبحانه كما وصف نفسه بالرحمة وصف نفسه بالعدالة، ولابد من تحقيق الوصفين في الدنيا والآخرة، والناس تنضبط شئونهم بين الرغبة والرهبة، بين الخوف والرجاء.
وفي الآيات الكريمة: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ}. وغضب الله مُقلق كما أن رحمته مُطمعة، وفي الحديث: «لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع في جنته، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة لما قنط من جنته».
قال الأستاذ إحسان: كلامك يفيد أن الأوصاف الإلهية متساوية من حيث الثواب والعقاب وما ذكرته من قبل يفيد بأن الرحمة العليا تغلب!
قلت له: لا تناقض، فهناك مجال واسع للرحمة المنشودة وأولى الناس بها من يعترف بصاحبها، أما من ينكر وجوده، أو يعرفه على نحو فاسد، أو يعرفه على طريقة إبليس في الكبرياء والتمرد، فلا نصيب له في هذه الرحمة!
نحن في دنيانا لا نرحم من يقترف جريمة الخيانة العظمى وإن كانت له حسنات معدودة، والجاحدون للألوهية المتمردون على الوحي خونة لا أمل لهم، وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى: «يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة».
والحق أننا مغمورون برحمات الله ظاهرًا وباطنًا، وما يفقد هذه الرحمة إلا هالك لا يساوي شيئا، ولا تنهض له عند نفسه حجة!
قال الأستاذ إحسان: مبدأ العقوبة لا يمكن استبعاده في المعاملات الخاصة والعامة، وأنا رجل حقوقي لا أهيم في أودية الخيال، ولكن تصوري للكمال الإلهي ورجحان الرحمة العليا يجعلاني أستبعد الخلود في جهنم على أعمال خاطئة تمت في زمن محدود.
قلت له: الخلود في جهنم قد يعني الزمان الطويل، كما أن الأشغال الشاقة المؤبدة تعني مدة معينة، وهناك اتفاق على أن بعض الملوثين يبقون في جهنم مدة يتهذبون فيها ثم يخرجون، ومع أن جمهرة المسلمين ترى أن الملاحدة والمستكبرين على الله يبقون في جهنم أبد الدهر، فإن هناك علماء من الأكابر يرون أن جهنم ستفنى يوما ما بمن فيها، ومِن هؤلاء العلماء ابن القيم والشيخ رشيد رضا والشيخ محمود شلتوت وغيرهم، ويمكن الاطلاع على الموضوع كله في تفسير المنار.
أمّا أنا فأختصر القضية ولا أطيق المُضِي إلى نهايتها، واقفا عند قوله تعالى: {رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ}.
قال الأستاذ إحسان: أيوجد رأى إسلامي بأن النار ستخمد يوما؟! قلت له: نعم، وآخر من كتب في هذا شيخ الأزهر الأسبق الشيخ محمود شلتوت في كتابه (العقيدة والشريعة).
قال: ما أوسع الثقافة الإسلامية وأشبعها للعقل!! قلت له: إن الإسلام دين العباقرة والمفكرين.
رحم الله إحسان عبد القدوس، وأكرم نزله بقدر ما أَمَّل في رحمته وفوق ما أمَّل مما يفيئه عليه ذو الجلال والإكرام.
الشيخ محمد الغزالي
من مقالاته: هذا ديننا
_____
مرفقات:
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق