الخميس، 23 يوليو 2026

بدعة الخروج عن المذاهب الأربعة

 









إنّ أكبر بدعةٍ هدّدت التّوحد الإسلامي وفكّكت الجسد الواحد للأمة المسلمة، هي بدعة الخروج عن المذاهب الأربعة، والقفز فوقها، والاستنباط المباشر من القرآن والسُّنّة بفهمٍ ضالٍّ ومحرف؛ وهو المسعى الخبيث الذي نجح الاستعمار البريطاني من خلاله في ضرب الصف الواحد للمسلمين، مستخدماً هذه الفرقة الضالة الوهابية السلفية المعاصرة التي تخلّفت عن ركب أئمة الهدى المتبوعين، أولئك الأعلام الأربعة الذين اجتمعت الأمة قاطبةً على إمامتهم وجلالة قدرهم.
​ولقد أراد الاستعمار إلغاء التمذهب خلف أهداف سياسية وقانونية واجتماعية استراتيجية، أبرزها تفكيك المرجعية وتسهيل الاختراق؛ إذ لم تكن المذاهب الفقهية مجرد آراء فردية، بل كانت مؤسسات تشريعية متكاملة (مثل الأزهر في مصر، والزيتونة في تونس، والقرويين في المغرب).
وهذا الاستقرار الفقهي أوجد مرجعية صلبة تجمع الأمة وتجعل من الصعب على المستعمر فرض قوانينه، فكان إلغاء التمذهب يعني قطع صلة المسلم بالمنظومة الفقهية المستقرة، مما يترك الساحة الفكرية في حالة من الفوضى، فيسهل اختراقها وفرض النموذج الغربي.
​وها نحن نرى اليوم ونسمع مَن لا يكاد يُحْسِن قراءةً ولا كتابةً، بل ولا يُقيم طهارته، ثم يتطاول بكل وقاحة وتبجح متشدقاً بمقولة: (نحن رجال وهم رجال)!
ونرى ونسمع من معاتيه الفرقة الضالة الوهابية السلفية المعاصرة -لكل من هب ودب- بالنص أن اجتماع الفقهاء الأربعة ليس حجة قاطعة، وكأن المتكلم أعلم منهم بدين الله! وصدق القائل: «خير البلية ما يضحك، الاقزام يتكلمون علي الاعلام».
​بل لم يكتفِ القوم بذلك، حتّى جاوزوا المدى وتخطّوا الحدود، فوصل بهم التجرؤ إلى تخطئة الصحابة الكرام، وكأنّ هؤلاء المبتدعة أعلم بدين الله وأفهم بسنّة نبيّه صلى الله عليه وسلم من السّلف الصّالح -أعني بهم جيل القرون الثلاثة الأولى المبرّئين، لا هذه الفرقة الضالة الوهابية السلفية المعاصرة-.
​وما هذا بالعجيب ولا بالبعيد عنهم؛ فكبراؤهم الذين رسّخوا فيهم عقائد التكفير والتبديع، والسبّ والقذف للسواد الأعظم للأمة، وهم أهل السُّنة والجماعة من السّادة الأشاعرة والماتريدية وفضلاء الحنابلة، كانوا أشدّ ضلالاً وأعظم إضلالاً.
​وتراهم عياناً بين ظهرانينا؛ لو اختلفتَ مع أحدهم في مسألة فقهية وأتيتَهُ بألف آيةٍ وألف حديثٍ ما اقتنع؛ بل لو عاد إلينا سيدنا معاذ بن جبل -أعلم الأمة بالحلال والحرام- لاعترضوا عليه وقالوا بكل وقاحة: «أخطأ معاذ، وكلٌّ يؤخذ منه ويرد، وإن صح الحديث فهو مذهبي!».. وتلك هي العنجهية الفكرية الوهابية الضالة في أوسع أبوابها وأقبح صورها.
​وهذا هو الذي نراه الآن في بلاد التوحيد والعقيدة -زوراً وبهتاناً- حينما تبنّت الفكر الضال الوهابي؛ فما رفعت سلاحها يوماً لنصرة أهلنا في غزة، بل وُجّه ضد أهل القبلة في اليمن، ووالت أمريكا وإسرائيل على أهل (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، رافعين شعار قرآن وسنة بفهم يهود الأمة، {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ}.
أ : محمد عطية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق