الخميس، 30 أبريل 2026

من أبشع المسائل المنقولة عن ابن تيمية



!

لا أدري كيف طاوع الشيخ ابنَ تيمية عقلُه، وأداه اجتهاده؛ إلى القول بتحريم شد الرحل لزيارة قبر المصطفى صلى الله عليه وسلم، وإنما يُشد - عنده - لزيارة المسجد، لا لزيارة القبر مجردا، استدلالا بظاهر حديث "لا تشد الرحال"، وهو من عجائب الاستدلالات، وهي مسألة لم يسبقه إليها أحد من المسلمين، كما قال الحافظ لعلائي، فيما نقله عنه ابن طولون، في كتابه [ذخائر القصر في تراجم نبلاء العصر] عند حصر المسائل التي خالف فيها ابن تيمية إجماع الأمة!
وهي من المسائل التي امتحن بسببها، وأوذي، فقد هاجت عليه الأمة، وحاجَّه علماؤها، فحجُّوه!
وهذا اختصار لما جرى في هذه المسألة من كتب أئمة الحديث رضي الله عنهم!
قال الكِرْمَاني في كتابه [الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري] عند شرح حديث "لا تشد الرحال"، من كتاب (فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة)، من [صحيح البخاري] ما نصه:
"وقع في هذه المسألة، في عصرنا، في البلاد الشامية؛ مناظرات كثيرة، وصُنف فيها رسائل من الطرفين".
قال الحافظ ابن حجر في [فتح الباري بشرح صحيح البخاري]:
"يشير إلى ما ردَّ به الشيخ تقي الدين السبكي وغيره على الشيخ تقي الدين ابن تيمية، وما انتصر به الحافظ شمس الدين بن عبد الهادي وغيره لابن تيمية، وهي مشهورة في بلادنا!".
قال:
"والحاصل: أنهم ألزموا ابن تيمية بتحريم شد الرحل إلى زيارة قبر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنكرنا صورة ذلك، وفي شرح ذلك من الطرفين طول، وهي من أبشع المسائل المنقولة عن ابن تيمية!".
قال:
"ومن جملة ما استدل به - يعني ابن تيمية - على دفع ما ادعاه غيره، من الإجماع على مشروعية زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم؛ ما نُقل عن مالك؛ أنه كره أن يقول: "زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم"!
قال:
"وقد أجاب عنه المحققون من أصحابه - يعني من أصحاب مالك - بأنه كره اللفظ، أدبا، لا أصل الزيارة؛ فإنها من أفضل الأعمال، وأجلِّ القربات الموصلة إلى ذي الجلال، وأن مشروعيتها محل إجماع، بلا نزاع، والله الهادي إلى الصواب".
قلت: يعني كأن الإمام مالكا يومئ إلى حياته صلى الله عليه وسلم، فكره لفظ القبر لهذا المعنى؛ لأن القبر مختص بالأموات، وهو صلى الله عليه وسلم حي في قبره!
وقيل: إنما كره لفظ الزيارة؛ لإشعارها بمنة الزائر على المَزُور، ولا منة لأحد على رسول الله، بل المنة لرسول الله على كافة الخلق!
وحال الإمام مالك في الحب والأدب والتعظيم والإجلال للنبي صلى الله عليه وسلم، ولحديثه، ولمدينته؛ أجلُّ من أن ينازع في مشروعية الزيارة!
وفي بيان المعنى الصحيح لحديث شد الرحال، والذي أسيء فهمه ممن تابع ابن تيمية؛ قال الحافظ ابن حجر:
"قال بعض المحققين: "قوله: (إلا إلى ثلاثة مساجد)؛ المستثنى منه محذوف، فإما أن يُقَدَّر عامًّا، فيصير: (لا تشد الرحال إلى مكان في أي أمر كان؛ إلا إلى الثلاثة)، أو أخصَّ من ذلك".
ثم قال:
"لا سبيل إلى الأول؛ لإفضائه إلى سد باب السفر للتجارة، وصلة الرحم، وطلب العلم وغيرها، فتعين الثاني! - يعني: أن النهي عن شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة مخصوص بحالة خاصة، ومقيد بها، وليس عاما ولا مطلقا، وإلا لأفضى إلى تحريم السفر من أساسه، ولا يقول بهذا عاقل!
قال الحافظ:
"والأَوْلَى أن يُقَدَّر ما هو أكثر مناسبة، وهو: (لا تشد الرحال إلى مسجد، للصلاة فيه ؛ إلا إلى الثلاثة)، فيبطل بذلك قول من منع شد الرحال إلى زيارة القبر الشريف، وغيره من قبور الصالحين، والله أعلم". انتهى.
ثم قال:
"وقال السبكي الكبير - يعني الإمام تقي الدين السبكي -: "ليس في الأرض بقعة، لها فضل لذاتها، حتى تشد الرحال إليها؛ غير البلاد الثلاثة، ومرادي بالفضل المراد؛ به ما شهد الشرع باعتباره، ورتب عليه حكما شرعيا، وأما غيرها من البلاد؛ فلا تشد إليها لذاتها، بل لزيارة، أو جهاد، أو علم، أو نحو ذلك من المندوبات، أو المباحات".
قال: "وقد التبس ذلك على بعضهم - يعني ابن تيمية - فزعم أن شد الرحال إلى الزيارة، لمن في غير الثلاثة؛ داخل في المنع، وهو خطأ؛ لأن الاستثناء إنما يكون من جنس المستثنى منه، فمعنى الحديث: (لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد، أو إلى مكان من الأمكنة، لأجل ذلك المكان؛ إلا إلى الثلاثة المذكورة)، وشد الرحال إلى زيارة، أو طلب علم؛ ليس إلى المكان، بل إلى من في ذلك المكان، والله أعلم". انتهى المراد نقله من [فتح الباري].
قلت: فهذا كلام المحققين من علماء الأئمة وأئمتها في معنى حديث شد الرحال!
ويضاف إلى ما ذكروه - وهو مما فتح الله تعالى به على قلبي - أن الله عز وجل قال في كتابه الكريم: "ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله، ثم يدركه الموت؛ فقد وقع أجره على الله"، ولم يذكر أن ذلك يكون في حال الحياة فحسب، بل هي عامة في حالي الحياة والموت، والهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ تقتضي السفر!
وكذلك قال عز وجل: "ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم؛ جاؤوك، فاستغفروا الله، واستغفر لهم الرسول؛ لوجدوا الله توابا رحيما"، ولم يقل: جاؤوك في حال الحياة أو حال الموت، ولا جاؤوك مقيمين أو مسافرين!
وكذلك وقع الإطلاق في قوله صلى الله عليه وسلم: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها"، ولم يذكر أن زيارة القبر تكون في حضر أو في سفر، بل أطلق اللفظ، فكيف يأذن الشارع في زيارة قبور عموم المسلمين، ولا يأذن في زيارة قبر أول المسلمين، وسيد المرسلين، ورحمة الله للعالمين؟!
هذا ما تيسر لي كتابته من الذاكرة، في هذه المسألة، وأنا في جوار حبيب الله ومصطفاه، في مدينته النبوية الشريفة، غريق بحار جوده وكرمه، وأسير إحسان إنعامه ونعمه، لا حرمنا الله رضاه في الدنيا والآخرة، وأسبغ به علينا نعمه باطنة وظاهرة!
وبالله التوفيق.
أ.د : محمد إبراهيم العشماوي

أستاذ الحديث الشريف وعلومه في جامعة الأزهر الشريف   

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق