الأربعاء، 6 أكتوبر 2021

مقامات علوم اليقين أولاً-مقام التوبة:

 




علوم اليقين من مشاهدات مقام اليقين
مقامات علوم اليقين
أصول مقاماتها التي تنتج عنها أحوال الموقنين وترد إليها فروع أحوال المتقين تسعة مقامات ، وهي : التوبة والصبر والشكر والرجاء والخوف والزهد والتوكل والرضا ، والمحبة ، وبعد المحبة مقامات محبوب و منازلات علام الغيوب ثم الرهبة والرغبة ثم اللقاء بالله تعالى والفناء عما سواه ، ومن مقام محبوب تقصر العبارة عن بيان مشاهداتهم ووصف مراقباتهم وكشف ما يواجههم به ربهم سبحانه وتعالى من أسرار عين اليقين وحق اليقين .

مقامات علوم اليقين
أولاً-مقام التوبة:
التوبة : الرجوع إلى الله والندم على ما فات .
مشاهدات التوبة:
إما للعامة وإما للخاصة
توبة العامة:
قال الله تعالى في توبة العامة : ﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ معنى هذا الخطاب ارجعوا إلى الله تعالى من حظوظ أنفسكم وهواها ومن وقوفكم مع شهواتكم لتظفروا بالفلاح وهو نيل بغيتكم يوم القيامة وليحصل لكم البقاء ببقاء الله عز وجل في نعيم لا زوال له وبهجة لا نفاد لها ولتفوزوا وتسعدوا بدخول الجنة وتنجوا من النار ، وهذا هو فلاح العامة .
توبة الخاصة :
عن مشاهدات الخصوص فقال تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾ فنصوحاً يعني : خالصة من النصح وهو الاستقامة على الطاعة من غير زوغان إلى معصية مجاهداً نفسه أن يخطر على قلبه خاطر العودة إلى ذنب وهو قادر عليه ، وأن يترك عمل الذنوب والمعاصي لأجل الله تعالى خالصاً لوجهه الكريم كما فعلها خالصاً لحظه وهواه ، فإذا أتى الله بقلب سليم من الهوى وعمل خالص مستقيم على السنة فهو الذي ختم الله له بحسن الخاتمة وأدركته الحسنى السابقة و هذا العمل هو التوبة النصوح وعامله هو العبد التواب المتطهر الحبيب الذي سبقت له من الله الحسنى وتداركه نعمة من ربه فرحمه بها من أدران السوءى و هو وصف من قصده سبحانه بخطابه في قوله تعالى : ﴿ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾ وقال صلى الله عليه وسلم: ( التائب حبيب الله ، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له ).
وسئل الحسن عن التوبة النصوح فقال : هي ندم بالقلب ، واستغفار باللسان ، وترك بالجوارح ، و إضمار أن لا يعود إليه . وقال محمد أبو سهل رحمه الله : ليس من الأشياء أوجب على هذا الخلق من التوبة ولا عقوبة أشد عليهم من فقد علم التوبة ، وقد جهل الناس علم التوبة ،وقال : من يقول إن التوبة ليست بفرض فهو كافر، ومن رضي بقوله فهو كافر ، وقال : التائب الذي يتوب من غفلته في الطاعات في كل طرفة ونفس.
وقد جعل علي كرم الله وجهه : ترك التوبة مقاما في العمى ، وقرنه باتباع الظن ونسيان الذكر فقال في الحديث الطويل : ومن عمي نسى الذكر واتبع الظن وطلب المغفرة بلا توبة ولا استكانة
فرض التوبة الذى لابد للتائي منه:
ففرض التوبة الذى لابد للتائب منه، ولا يكون محقاً صادقاً إلا به الإقرار بالذنب والاعتراف بالظلم ، ومقت النفس على الهوى ، وحل الإصرار الذي كان عقده على أعمال السيئات ، و إطابة الغذاء بقدر ما يقدر عليه لأن الطعمة أساس الصالحين ، ثم الندم على ما فات من الجنايات ، وحقيقة الندم إن كان حقاً ـ إذ لكل حق حقيقة ـ أن لا يعود إلى مثل ما وقع الندم عليه ، ثم اعتقاد الاستقامة على الأمر ومجانبة النهي ، وحقيقة الاستقامة أن لا يقابل ما استقبل من عمره بمثل ما وقع الاعوجاج به ، وأن يتبع سبيل من أناب إلى الله وأن لا يصاحب جاهلاً فيرديه ، ثم الاشتغال بإصلاح ما أفسد في أيام بطالته ليكون من المصلحين الذين تابوا وأصلحوا ما أفسدوا فإن الله عز وجل لا يصلح عمل المفسدين كما لا يضيع أجر المحسنين ، ثم الاستبدال بالصالحات من السيئات والصالحات من الحسنات ليكون ممن تبدل سيئاته حسنات لتحققه بالتوبة وحسن الإنابة لأن التبديل يكون في الدنيا يبدل بالأعمال السوءى أعمالاً حسنى بدليل قوله تعالى : ﴿ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ الرعد ١١ فإذا غير ما بهم من سيء حسناً بدل سيئاتهم حسنات ، ثم الندم و دوام الحزن.
وحقيقة الندم والحزن على الفوت أن لا يفرط ولا ينسى في وقت دركه ولا يرجع ولا ينثني في حيز استبداله فيفوت نفسه وقتاً ثانياً إذا كان يعمل في ترك ما فات ولا يفوت ماأدرك فى حال يقظته فتكون يقظته شبيهاً بما مضى من غفلته ، إذ لا يدرك الفوت بالفوت ولا النعيم بالنعيم ، ليكون كما وصف الله تعالى : ﴿ وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا ﴾ التوبة ١٠٢ قيل الاعتراف الندم.
وقال أبو سليمان الداراني : لو لم يبك العاقل فيما بقى من عمره إلا على فوات ما مضى منه في غير الطاعة لكان خليقاً أن يحزنه ذلك إلى الممات ، فكيف بمن يستقبل ما بقى من عمره بمثل ما مضى من جهله . وقال صلى الله عليه وسلم في حديث أبي ذر: ( فإذا عملت سيئة فاعمل بعدها حسنة ، السر بالسر والعلانية بالعلانية ) وفي وصية معاذ : أتبع السيئة الحسنة تمحها ، ولتدخل في الصالحين لقوله تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ ﴾ العنكبوت ٩ . ثم المسارعة إلى الخيرات إذا قدر عليها ليدرك بها ما ضيع و فات ليكون من الصالحين . وفي هـذا المقام يصلح لمولاه فيحفظه ويتولاه كما قال تعالى : ﴿ إِنَّ وَلِيِّـيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ﴾ الاعراف ١٩٦ .
وجمل ما على العبد في التوبة وما تعلق بها عشر خصال ، أولها : فرض عليه أن لا يعصي الله تعالى . الثانية : إذا ابتلي بمعصية لا يصر عليها . الخصلة الثالثة : التوبة إلى الله تعالى منها ، الرابعة : الندم على ما فرط منه . الخامسة : عقد الاستقامة على الطاعة إلى الموت . السادسة : خوف العقوبة . السابعة رجاء المغفرة . والثامنة : الاعتراف بالذنب . والتاسعة : اعتقاد أن الله تعالى قدر ذلك عليه وأنه عدل منه . والعاشرة: المتابعة بالعمل الصالح ليعمل في الكفارات لقوله : ( و أتبع السيئة الحسنة تمحها ).
وفي جميع هذه الخصال جمل آثار عن الصحابة و التابعين يكثر ذكرها .
التوبة من قريب:
وقيل في معنى قوله تعالى : ﴿ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ المنافقون ١٠
قيل: الوقت القريب أن يقول العبد عند كشف الغطاء : يا ملك الموت أخرني يوماً أعبد فيه ربي و أعتب فيه ذنبي و أتزود صالحاً لنفسي ، فيقول : فنيت الأيام فلا يوم ، فيقول : أخرني ساعة ، فيقول : فنيت الساعات فلا ساعة ، قال : فتبلغ الروح الحلقوم فيؤخذ بكظمه عند الغرغرة فيغلق باب التوبة ويحجب عنه وتنقطع الأعمال وتذهب الأوقات وتتصاعد الأنفاس يشهد فيها المعاينة عند كشف الغطاء فيحتد بصره ، فإذا كان في آخر نفس زهقت نفسه فيدركه ما سبق لها من السعادة فتخرج روحه على التوحيد فذلك حسن الخاتمة أو يدركها ما سبق لها من الشقوة فتخرج روحه على الشك فهذا الذي قال الله عز وجل : ﴿ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ ﴾ النساء ١٨ فهذا سوء الخاتمة أعاذنا الله منه ، وقيل : هذا هو المنافق ، وقيل : المدمن على المعاصي المصر عليها . وقد قال تعالى : ﴿ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ ﴾ النساء ١٧ قيل : قبل الموت و قبل ظهور الآيات الآخرة ، وقبل الغرغرة أي : تغرغر النفس في الحلقوم ، لأنه تعالى قد حكم أن التوبة بعد ظهور أعلام الآخرة لا تقبل.
ومنه قوله تعالى : ﴿ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ﴾ قيل : ( لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ ) يعني من قبل معاينة الآيات ، (أو كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ) الأنعام ١٥٨.
قيل : التوبة هي كسب الإيمان وأصول الخيرات وقيل : الأعمال الصالحة هي مزيد الإيمان وعلامة الإيقان ، وقد قيل : (ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ ) النساء ١٧ أي: عن قريب عهد بالخطيئة لا يتمادى فيها ولا يتباعد عن التوبة ، وتوبته من قريب : أن يعقب الذنب عملاً صالحاً ولا يردفه بذنب آخر وأن يخرج من السيئة إلى الحسنة ولا يدخل في سيئة أخرى .
وقال بعض العارفين : إن لله تعالى إلى عبده سرين يسرهما إليه ، يوجده ذلك بإلهام يلهمه أحدهما ، إذا ولد وخرج من بطن أمه يقول له : عبدي قد أخرجتك إلى الدنيا طاهراً نظيفاً واستودعتك عمرك وائتمنتك عليه فانظر كيف تحفظ الأمانة وانظر كيف تلقاني كما أخرجتك . وسر عند خروج روحه يقول : عبدي ماذا صنعت في أمانتي عندك هل حفظتها حتى تلقاني على العهد والرعاية فألقاك بالوفاء والجزاء أو أضعتها فألقاك بالمطالبة و العقاب . وفي خبر عن ابن عباس ( من ضيع فرائض الله عز وجل خرج من أمانة الله ) ، وعند التوبة النصوح تكفير السيئات ودخول الجنات .

الولاية لله الحق

 


عند سماع قوله تعالى:
(هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ ۚ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا) الكهف ٤٤.
أي عند فقد الظهير والنصير والعدة والعدد، وتحقق الاضطرار الحق إلى الحق، يكون المعاذ والملجأ والملجأ إلى الله وبالله، ولديها يتحقق من اضطر في هذا المشهد المريع أن الولاية لله الحق، لا ولاية لأحد على أحد بحسب تحققه في اضطراره، وهو سبحانه خير ثوابا وخير عقبى.
والثواب أنواع كثيرة تتفاوت بقدر همة الطالب ونيته، فقد يكون زهرة الحياة الدنيا، وقد يكون النجاة من أهوال الموت، أو الفوز في البرزخ، أو الفوز يوم الحساب، أو الفوز بالجنة وخير الثواب كله هو الله تعالى.


صفة القدرة



صفات المعانى السبعة:
هى: القدرة، والحياة، والعلم، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام.
. 1ـ القــدرة:
١- هى صفة قديمة يوجد الله بها ما يشاء أن يوجده، ويعدم بها ما يشاء أن يعدمه وفق إرادته، قال تعالى فى بيان آثار قدرته تعالى فى مخلوقاته: (أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ رِزْقًا لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ) سورة ق آية ٦- ١١ وقال جل وعلا فى إثبات كمال قدرته تعالى وعجز ما سواه وأنه مستحق للعبادة دون سواه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) سورة الحج آية ٧٣-٧٤ وقال جلت قدرته فى بيان كمال قدرته أودعه بما فى عالم المخلوقات من أرض وسماوات وإحياء ونبات وفلك وأفلاك وليل ونهار ورياح وسحاب من العبر والآيات: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) سورة البقرة آية ١٦٤ وقال تعالى فى بيان كمال قدرته وتمام عظمته: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ) سورة الأنعام آية ٦٥. وقال جل شأنه فى بيان كمال قدرته وعجز من سواه وفيه الرد على منكرى البعث: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) سورة الأحقاف آية ٣٣ وقال تعالى: (أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادًا الْجِبَالَ أَوْتَادًا وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاء ثَجَّاجًا لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا) سورة النبأ آية ٦-١٦ وقال تعالى فى بيان كمال قدرته وخلقه الإنسان من الماء: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا) سورة الفرقان آية ٥٤ وقال تعالى فى بيان قدرته وأنه إذا أراد فعل أى شىء لا يمكن غيره أن يعارضه أو يمانعه: (وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) سورة الأنعام آية ١٧-١٨.
هذه الآيات نور مشرق على قلوب جملها الله بعيون البصيرة شهدت عجائب القدرة وغرائب تصريفها فى الكائنات، فاستبان به للبصائر غيب القدرة، فانجذب العبد المتجمل بعيون البصيرة إلى جناب القدس الأعلى فاراً من جانبه، وتحقق كمال إضراره واحتياجه إلى القادر سبحانه وتعالى، وأنه لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، تحققاً جعله عدماً فى عين نفسه، موجوداً بقادر حكيم، وأن الكون وما فيه سر من أسرار قدرة الله تعالى، وفيض عميم من فضل قدرته تنزه وتعالى.
شهد المؤمن من تلك الآيات العلية التى رفعت له الستارة عما انطوى فى هذا الكون الفسيح من أسرار الرب الفريد، فتحقق كمال التحقيق بوحدانية الله ذاتاً وصفة وفعلاً، وقد تشرق عليه من وراء حجب الكائنات أنوار سريان القدرة، حتى قد يقوى هذا النور فيجعله لا يشهد شيئاً من الموجدات إلا ويذوق حلاوة الإيمان بوحدانية الله ذاتاً وصفة وفعلا، وقد يقوى هذا النور فتنبعث أشعته على الكائنات فتحجب الكون وما فيه عن عين المشاهد، فلا يرى إلا قدرة قادر مريد، فيغيب عن نفسه وحسه وعن كونه، وهو المجذوب إلى حضرة القدس بسابقية الحسنى، وهو الناقص فى عين العارف لغيبته عن شهود الحكمة وتدبيرها، حتى إذا أشرقت عليه أنوار الحكمة أثبت الحق فشهد المرتبتين بنور اليقين، رتبة ممكن الوجود من الكون وما فيه، ورتبة واجب الوجود سبحانه، فيكمل كمالاً يجعله عبداً صرفاً لا يغيب عن معية الله تعالى، ولا يغيب الله سبحانه عنه، فلا تقوى أنوار القدس عليه فتحجب الخلق عن عين رأسه، ولا الكائنات المحسوسة فتحجب أنوار الحق عن عين بصيرته، وهو الفرد الكامل المشاهد للحضرتين بالحضرتين.
فوق الأنوار أسرار:
ووراء تلك الأنوار أنوار، وفوق تلك الأنوار أسرار لا ينبغى للعارف أن يسطرها فى الأوراق، وفيما أشرنا إليه كفاية لأولى الألباب، وإنما هى غوامض أسرار القدرة، وخفى غرائب الحكمة لا تشهد بعين البصيرة، ولا تكاشف بعيون السريرة، وإنما هى أنوار تواجه الروح التى هى نفخة الرحمن، قال صلى الله عليه وسلم: (كُنْ مَعَ اٌللهِ ترَ اللهَ.مَعَك ).وقال الله تعالى: (إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ) سورة النحل آية ١٢٨ وليست تلك الأسرار وإن خفيت والأنوار وإن غمضت بشىء يذكر فى جانب ما وراء ذلك من أنوار الكمالات الذاتية، وغيب غوامض مجلى الذات الأحدية (وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) سورة البقرة آية ١٠٥ ومن حرم العيون التى تشهد آيات القدرة فى الكائنات فهو بهيم وأضل، يتمنى يوم القيامة أن يكون تراباً، أعوذ بالله من العمى فى هذه الدار الدنيا، وقال تعالى: (وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً) سورة الإسراء آية ٧٢ أسأله سبحانه أن يجعل لنا نوراً نمشى به فى الناس إنه مجيب الدعاء، وأن يهدينا الله وإياك يا أخى صراطه المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا

 

صفة الحياة

 


صفات المعانى السبعة:
هى: القدرة، والحياة، والعلم، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام.
٢ـ الحيــاة:
الحياة هى صفة قديمة ذاتية لله عز وجل، قال تعالى فى إثبات صفة الحياة له عز وجل: (هُوَ ٱلۡحَيُّ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَٱدۡعُوهُ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَۗ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ) سورة غافر آية ٦٥ وقال تعالى فى إثبات أنه حى لا يموت: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا) سورة الفرقان آية ٥٨.
تفصيل ذلك أنه تعالى حى قادر، جبار قاهر، لا يعتريه قصور ولا عجز، ولا تأخذه سنة ولا نوم، ولا يعارضه فناء ولا موت، وأنه ذو الملك والملكوت، والعزة والجبروت، له القدرة والسلطان والقهر، والخلق والأمر، والسموات مطويات بيمينه، والخلائق مقهورون فى قبضته، وأنه المنفرد بالخلق والاختراع، المتوحد بالإيجاد والإبداع، خلق الخلق وأعمالهم، وقدر أرزاقهم وآجالهم، لا يشذ عن قبضته مقدور، ولا يعزب عن قدرته تصاريف الأمور، لا تحصى مقدوراته، ولا تنتهى معلوماته..
أنوار تلك الآيات جلية لأن مفيض الحياة على هذا الكون يفيضها فضلاً منه سبحانه وكرماً، لا لحاجة إليها لغناه المطلق سبحانه عن كل من سواه، وافتقار كل من عداه إليه سبحانه، برهان حق على أن مفيض الحياة هو الحى القيوم، وممد هذا الوجود الممكن بالحياة حى أبدى أزلى، إذ حياة كل رتبة من المراتب بقدرها، فالحياة الممكنة مقيدة بالنسبة لما قامت به ومن قامت به، ومفيض الحياة وممد الكائنات حياته ليس كمثلها شىء، وإنما جعلت الكائنات لتشرق أنوار الحى القيوم على القلوب، فتشهد عيون السر أن ممد الكون بالحياة حى حياة لا تتصورها الخيالات، ولا تدركها عيون البصائر، ولا تحيط بكنهها الأرواح الطاهرة الملكية.
وصفات الله سبحانه وتعالى تُعلم لنا بقدر ما نشهد من معناها المتجلى لا بقدر ما هى عليه فى نفس الأمر، إذ ذلك لا يعلمه إلا الله تعالى، وما على المؤمن الكامل إلا أن يقول: آمنت بمعانى الصفات كما وردت.
وإذا كان كلام الله الذى نتلوه ليلاً ونهاراً لا يعلم تأويله إلا الله سبحانه وقد تعبدنا به سبحانه وتعالى، فكيف يمكن لعيون السريرة وإن أشرقت بكمال التوحيد أو لعيون الروح وإن واجهت وجه العلى الكريم أن تدرك معنى من الصفات وقد قال تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ) سورة آل عمران آية ٧ وهو كلام متلو مقروء، وقال تعالى مخبراً عن أحبابه المقربين: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ) سورة آل عمران آية ٧ فاللهم أشهد أنى بحول منك وقوة عقدتُ قلبى على أنك حى أبدى بما أشهدتنى من فيض الحياة التى تفضلت بها علّى وعلى كل موجود، وأنى أعتقد حق الاعتقاد أن صفاتك سبحانك لا يعلمها علماً حقيقياً على ما هى عليه فى نفس الأمر إلا أنت سبحانك، وأعوذ بك اللهم من غفلة تجعلنى أبحث بقوة فكرى أو بعيون سرى عن دليل يثبت صفة من صفاتك، بعد أن أَثْبَتَّ ذلك بكلامك المقدس، وأظهرت لعيون السر من آثار قدرتك ومعانى تجليات صفاتك، فأعنِّى اللهم على العمل بما عَلّمْتنى لينكشف لى علم ما لم أعلم، أنك مجيب الدعاء.

صفة العلم

 

صفات المعانى السبعة:
هى: القدرة، والحياة، والعلم، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام.
3 ـ العــلم:
هو صفة توجب تمييزاً لا يحتمل النقيض، قال تعالى فى إثبات العلم له سبحانه و لو بأخفى الخفيات حتى بما يهجس على خاطر الإنسان وتوسوس به نفسه: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) سورة ق آية ١٦ وقال تعالى فى بيان كمال علمه بدلالة الخلق عليه: (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ ۖ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴿١٣﴾ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) سورة الملك آية ١٣-١٤ وقال تعالى فى بيان أنه سبحانه عالم بكل شىء فى السماء والأرض حتى الحديث الذى يسره المرء لأخيه: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِنْ ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ۖ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) سورة المجادلة آية ٧ وقال تعالى فى ذكر أنه سبحانه عالم بالإنسان فى حال كونه جنيناً فى بطن أمه وفى حال نشئه: (هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ۖ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَ) سورة النجم آية ٣٢.
تفصيل ذلك أن الله سبحانه وتعالى عالم بجميع المعلومات، محيط بما يجرى فى تخوم الأرضيين إلى أعلى السماوات، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة فى الأرض ولا فى السماء، بل يعلم دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء فى الليلة الظلماء، ويدرك حركة الذر فى جو الهواء، ويعلم السر وأخفى، ويطلع على هواجس الضمائر وحركات الخواطر وخفيات السرائر، بعلم قديم أزلى لم يزل موصوفاً به فى أزل الآزال، لا بعلم متجدد حاصل فى ذاته بالتحول والانتقال.
أنوار صفة العلم:
إذا لاحظت عين العناية الإلهية عبداً فوقعت به عين اليقين على معنى صفة العلم الإلهى؛ وتمثل تلك الصفة المنزهة بمعنى ما من معانيها التى تليق بكمالاتها؛ كان العبد المشاهد تلك المعانى فى معية ربه حاضراً لا يغيب، متجملاً بجمال أهل المراقبة، وكيف لا؟! والمؤمن الذى يعتقد أن الله يعلم السر وأخفى يسارع إلى أن يعمل ما يرضى ربه عنه الذى يعلمه فى كل حال من أحواله، ويتباعد عن معاصيه وعن مواطن سخطه ومقته لأنه يعلم أنه يعلمه ويراه، ويكره أن يراه ربه سبحانه حيث يكره أن يراه فى مواطن مخالفة أمره ومعصيته كما يكره أن يقذف به فى نار جهنم، وإن جهنم أخف على المؤمن المتمكن من معصية الله تعالى، وكيف لا؟! وهو عند المعصية إذا تحقق بأن الله يراه فيها ويعلم به فيها يشعر بأنه استهان بربه فخالف أمره، وهو يعلم قدر عظمة ربه وقدر موجبات غضبه وسخطه، فالمؤمن يتمنى أن يكون فى نار جهنم ولا يقع فى معصية الله ومخالفة أمره، لأن غضب الله وسخطه أشد عليه من عذاب جهنم، والجاهل بهذا المقام لا يخاف مقام ربه ولكن يخاف عذاب ربه، فقد يقع فى المخالفة لنسيان يوم الحساب، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) سورة ص آية ٢٦ وقال تعالى: (وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) سورة الجاثية آية ٣٤.
فمن كان خوفه من المنتقم القهار الكبير المتعال، كان فى حصون الأمن من الوقوع فى المخالفة، ومن كان خوفه من عذاب النار والحرمان من الملاذ والشهوات قد ينسى لما ينال من ملاذ الدنيا وزهرتها الفانية نعيم الآخرة، فيقع فى المخالفات وينسى العقوبات حتى يلقى فى هوة النار، نعوذ بالله من جهل مقام ربنا ومن نسيان يوم الحساب.
نتج من هذا أن الموقن بصفة العلم لله القادر، المتحقق بأن الله يعلم سره ونجواه، ويعلم ما توسوس به نفسه، ويعلم أنه معه حيث كان وكيف كان، لا يتعدى حدود الله، ولا يعمل ما يخالف سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، واللص لا يسرق المتاع إلا إذا غاب صاحبه، والرجل لا يأتى زوجته أمام ابنها حياء منه، فكيف يعمل المؤمن المعصية مع علمه بأن الله معه ويعلم سره ونجواه ولا يخاف جلاله ولا يخشى عظمته وكبرياءه؟!.فالمرتكب المعصية نسى يوم الحساب، وجهل معنى صفة العلم لله، أعوذ بالله من جهل يوقع فى معصية الله، ومن نسيان يلقى صاحبه فى هوة النار يوم القيامة، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يشهدنى أنوار صفة العلم حتى لا تحجب عين بصيرتى عن شهوده معى سبحانه، فأكون مراقباً لجلاله، حاضراً معه سبحانه، حييا منه سبحانه، راهباً عظمته، راغباً فى فضله العظيم.



صفة الإرادة

 


صفات المعانى السبعة:
هى: القدرة، والحياة، والعلم، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام.
٤ـ الإرادة:
هى صفة قديمة تخصص الممكن بالوجود أو بالعدم، وبالطول أو القصر، وبالحسن أو القبيح، وبالعلم أو الجهل، إلى غير ذلك من الشؤون والأحوال، قال جل ذكره سبحانه فى بيان أنه تعالى مالك الملك يتصرف فى ملكه كيف يشاء وفق ما أراد وقدر( قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ۖ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ۖ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) سورة آل عمران آية ٢٦-٢٧.
وقال تعالى فى بيان أنه فاعل مختار يتصرف بقدرته البالغة حد النهاية ما شاء وكيف شاء: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ۚ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ۗ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) سورة المائدة آية ١٧.
وقال تعالى فى بيان أنه حكيم فى صنعه يفعل بحكمته واختياره ما تقتضيه إرادته ومشيئته حسبما تقضى به المصلحة: (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَٰكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ) سورة الشورى آية ٢٧.
وقال جل ثناؤه فى بيان كمال إرادته وعظيم قدرته: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) سورة يس آية ٨٢-٨٣ وقال تعالى فى بيان أنه فاعل مختار يفعل ما يشاء أن يفعله بمقتضى إرادته ومشيئته: (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا ۖ وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ) سورة الشورى آية ٤٩-٥٠ وقال سبحانه وتعالى فى بيان أنه فاعل مختار: ( وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ۗ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ) سورة القصص آية ٦٨.
وقال جلت قدرته فى بيان أن خلقة الإنسان وتصويره فى الرحم على صورة متنوعة وأشكال متباينة إنما هو بمحض إرادته ومشيئته: (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) سورة آل عمران آية ٦.
وقال سبحانه فى كمال تنزيهه عن الولد، وكمال اختياره: (لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ سُبْحَانَهُ ۖ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) سورة الزمر آية ٤.
وقال جل شأنه فى بيان أن الهداية والضلال إنما هما بمحض إرادته ومشيئته: (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ۖ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ وَهَٰذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا ۗ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ) سورة الأنعام آية ١٢٥-١٢٦.
وقال تبارك اسمه فى بيان أنه إذا تعلقت إرادته تعالى بإهلاك قوم سلط عليهم أنفسهم بالفسق ومخالفته تعالى فيما أمر به ونهى عنه: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) سورة الإسراء آية ١٦.
تفصيل ذلك أن الله تعالى مريد للكائنات، مدبر للحادثات، فلا يجرى فى الملك والملكوت قليل ولا كثير، ولا صغير ولا كبير، خير أو شر، نفع أو ضر، إيمان أو كفر، عرفان أو نكر، فوز أو خسر، زيادة أو نقصان، طاعة أو عصيان إلا بقضائه وقدره، وحكمه ومشيئته، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، لا يخرج عن مشيئته لفتة ناظر ولا فلتة خاطر، بل هو المبدىء المعيد، الفعال لما يريد، لا راد لحكمه، ولا معقب لقضائه، ولا مهرب لعبد عن معصيته إلا بتوفيقه ورحمته، ولا قوة له على طاعته إلا بمعونته وإرادته، لو اجتمع الإنس والجن والملائكة والشياطين على أن يحركوا فى العالم ذرة أو يسكنوها دون إرادته ومشيئته عجزوا عن ذلك، وأن إرادته قائمة بذاته فى جملة صفاته، لم يزل كذلك موصوفاً بها، مريداً فى أزله لوجود الأشياء فى أوقاتها التى قدرها، فوجدت فى أوقاتها كما أراد فى أزله من غير تقدم ولا تأخر، بل وقعت على وفق علمه وإرادته من غير تبدل ولا تغير، دَبَّر الأمور بلا ترتيب أفكار، وتربص زمان، فلذلك لا يشغله شأن عن شأن.
كمال اليقين بمعانى إرادة الله:
المؤمن المتحقق بأنوار صفة إرادة الله تعالى متجمل بحلة الرضا عن الله سبحانه لاعتقاده أن كل الأمور والشؤون والأحوال بإرادته سبحانه وبتقديره أزلاً، فيكون منشرح الصدر بمواقع القضاء، راضياً عن الله فى كل شأن من شؤونه، مقبلاً على الله بكليته وبذلك يفوز برضوان الله الأكبر، فإن رضا العبد عن الله فضل من الله عظيم ينبىء عن رضاء الله عن العبد، قال تعالى: (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ) سورة البينة آية ٨ وليس المراد من اليقين بإثبات الإرادة لله أن يكون المؤمن عالماً بالأشكال المنتجة، ولكن ليكون المؤمن مطمئناً بقضاء الله وقدره، راضياً عن الله فى كل شؤونه، راغباً فيما عند الله من الفضل العظيم، خائفاً مما قدر أزلاً مما لم يكاشف به، فيكون ممن أثنى الله سبحانه عليهم فى كتابه العزيز بقوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ ۗ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ) سورة فاطر آية ٢٨.
وليس العلم الذى يجعل الألسنة زلقة بإقامة الحجة، ويجعل القلوب مفعمة بحب الجدل والمناظرة والعناد علماً عند العلماء بالله تعالى، ولكنه جهل، لأن العلم عندهم هو الذى يوجب الخشية من الله تعالى، والمراقبة لجنابه عز وجل، والحضور معه سبحانه.
ومن يتناول عن طهور العلم بالإرادة حقاً لا يشهد فى الوجود فاعلاً مختاراً غير الله تعالى، وتمنعه الخشية من الله سبحانه أن يسىء الظن به سبحانه، أو يعترض عليه فى قضائه وقدره، ولا يكون عدم الرضا إلا من الجهلاء الذين يظنون أنهم علماء وليسوا علماء، فإن الله حصر العلم فى خشيته لا فى شقشقة اللسان والجدل والمناظرة، دليل ذلك قوله تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ) سورة فاطر آية ٢٨ فعالم عند الناس لا يخشى الله هو جاهل عند الله، ولو أنه كان عالماً حقيقة لما احتجب عن معانى الصفات المخوفة للعلماء العارفين، ولما غاب عن مشاهدة عظمة وكبرياء وجلال الله، غيبة تجعله يعصى الله تعالى بعلمه..وقد وصف الله العلماء فى كتابه العزيز، وأثنى عليهم، وجعلهم هم الأحياء وغيرهم أمواتاً، قال تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) سورة الزمر آية ٩ وقال تعالى: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا) سورة النساء آية ٨٣ فبين سبحانه وتعالى أن أولى الأمر فينا هم العلماء الذين يستنبطون من كتاب الله عز وجل، وهم أهل الخشية الذين أمرنا الله بطاعتهم والاقتداء بهديهم.
وأنت يا أخى إذا تحققت أن مولاك الذى خلقك مريد فاعل مختار، لا يكون شىء إلا بإرادته وتدبيره، كيف تغضب أو تعترض عليه سبحانه؟ أسأل الله تعالى أن يجملنا بكمال اليقين بمعانى إرادته وجميع صفاته التى وردت عنه سبحانه، إنه مجيب الدعاء.

صفة الكلام للسيد ماضي ابوالعزائم

 


صفات المعانى السبعة:
هى: القدرة، والحياة، والعلم، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام.
٧ ـ الكــلام:
كلام الله تعالى القائم بذاته هو صفة أزلية ليس بحرف ولا صوت، ولا يقبل العدم وما فى معناه من السكوت، ولا التبغيض ولا التقديم ولا التأخير، ثم هو مع وحدته دال أزلاً وأبداً على جميع معلوماته التى لا نهاية لها، وهو الذى عبر عنه بالنظم المعجز المسمى أيضاً بكلام الله تعالى، وهو معجزة رسول الله القائمة الدائمة.
والقرآن هو الدعوى والحجة، وكل نبى دعوته غير حجته، فكانت المعجزة فى كل زمان تناسب أهله، فسيدنا موسى عليه السلام لما اشتهر فى زمنه السحر وكثر، جعل الله معجزته انقلاب العصا ثعباناً يأكل غيره، وسيدنا عيسى عليه السلام لما كان فى زمن كثر فيه الأطباء جعل الله معجزته إبراء الأكمة والأبرص وإحياء الموتى، الأمر المعجز، وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لما كثر فى زمنه الفصحاء والبلغاء كانت معجزته القرآن المعجز لهم عن معارضته بالإتيان ولو بمثل أقصر سورة منه، قال تعالى فى ثبوت تلك الصفة لنفسه سبحانه: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا) سورة النساء آية ١٦٤ وقال تعالى: ( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ) سورة الشورى آية ٥١.
وتفصيل ذلك أن الله جل جلاله متكلم آمر، ناه، واعد، متوعد، بكلام أزلى قديم قائم بذاته، لا يشبه كلام الخلق كما لا تشبه ذاته ذوات الخلق، فليس بصوت يحدث من تموج الهواء واصطكاك الأجرام، ولا حرف ينقطع بإطباق شفة أو تحريك لسان وأن القرآن والتوراة والإنجيل والزبور كتبه المنزلة على رسله عليهم الصلاة والسلام، وأن القرآن مقروء بالألسنة، مكتوب فى المصاحف، محفوظ فى القلوب، وأنه مع ذلك قديم قائم بذات الله تعالى، لا يقبل الانفصال والافتراق بالانتقال إلى القلوب والأوراق، وأن موسى عليه السلام سمع كلام الله بغير صوت ولا حرف، كما نرى ربنا سبحانه وتعالى إن شاء الله يوم القيام من غير جوهر ولا شكل ولا لون ولا عرض، وإذا كانت له هذه الصفات كان حياً عالماً قادراً مريداً سميعاً بصيراً، متكلماً بالحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام، لا بمجرد الذات.
مزيد بيان فى صفة الكلام لله سبحانه وتعالى:
الإيقان بإثبات صفة الكلام لله سبحانه متعين على كل مسلم لما بينا من الأدلة القرآنية، ولأمر آخر لا يتم إيمان المؤمن إلا به، وهو التصديق بكتب الله التى أنزلها على رسله التى جعلها الله تبياناً لكل شىء، وهدى ونوراً وذكرى، بين بها سبحانه ما يجب أن تنعقد عليه القلوب، وما يجب أن يقوم به المسلم لله من العبادات وما يجب عليه لوالديه وأولاده وإخوانه المؤمنين ولأهل ذمة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وذمة المسلمين، وما يجب أن يكون عليه المسلم من الأخلاق، فإن إثبات صفة الكلام تجعل المسلم يتقبل أحكام كتاب الله بكمال الإيقان، ويسارع إلى العمل بما أمره الله وترك ما نهاه الله عنه، وليس على المسلم أن ينظر إلى صفة من صفات المعانى بعيون عقله التى تحكم نفسه ونظرائه وأشباهه، ولكن عليه أن يؤمن إيماناً لا يشوبه شك لشهوده حساً دلائل إثبات الصفات، وينزه صفات الله تعالى عن حد يحدها أو كيف يكيفها، تعالى الله عما يصفه الواصفون.
حتى إذا انعقد قلبه على اليقين الحق كاشفه الله بأنوار صفة الكلام، فيقرأ القرآن سامعاً له من رسول الله صلى الله عليه وسلم بخشوع وهيبة من الله تعالى، فيكون بين وجل من آيات الإنذار، ومزيد إيمان من الآيات الدالة على معانى صفات الله تعالى، ويتجمل بالتوكل على الله تعالى من الآيات الدالة على أنه الفاعل المختار الذى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فيكون التالى للقرآن مع المراقبة كأنه يسمع الكلام عن الله تعالى، بعد أن يستحضر أنه يسمعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.