في أواخر القرن الثالث عشر الميلادي، انحسر الوجود الصليبي في بلاد الشام ليقتصر على شريط ساحلي ضيق اتخذ من مدينة عكا مركزاً رئيسياً له، وذلك بعد السقوط المتتالي لإمارة أنطاكية عام 1268م وكونتية طرابلس عام 1289م على يد سلاطين المماليك.
وشهدت تلك الفترة خرقاً للهدنة القائمة من جانب بعض الجماعات الصليبية الوافدة، وقيام جماعات من الكفار الصليبيين بالاعتداء على التجار المسلمين وقتل بعضهم، مما دفع السلطان المنصور قلاوون إلى اتخاذ القرار النهائي بطرد هؤلاء الحثالة ووضع حد لوجودهم في بلاد المسلمين.
فبدأ قلاوون بحشد القوات وتجهيز العتاد، وأمر بجمع الأخشاب والمواد اللازمة لصناعة المنجنيقات الثقيلة في قلعة الجبل بالقاهرة والمناطق المجاورة، إلا أن المنية باغتته في معسكره بالبَقِيعة خارج القاهرة في ذي القعدة سنة 689 هـ (نوفمبر 1290م)، فانتقلت السلطة والقيادة إلى ابنه الملك الأشرف خليل.
تولى "الأشرف خليل" السلطنة وعمل على استكمال خطة أبيه دون تأخير، مكملاً التعبئة العسكرية الشاملة. وفي ربيع الأول من سنة 690 هـ (مارس 1291م)، تحرك الجيش المملوكي من القاهرة متوجهاً إلى الشام، حيث انضمت إليه القوات الشامية والمطوعة من حماة وحلب ودمشق وطرابلس.
وتميزت هذه الحملة بضخامة سلاح الحصار بشكل غير مسبوق، حيث سُيرت المنجنيقات تفكيكاً على عربات خشبية، وكان في مقدمتها المنجنيق السلطاني الثقيل المعروف باسم "المنصورة" الذي تطلب نقله مجهوداً حربياً كبيراً لضخامته، إلى جانب منجنيق "الغاضبة" وهو من المنجنيقات الكبيرة التي غنمها المماليك سابقاً، فضلاً عن منجنيق "الفارسية" ومجموعة من المنجنيقات الخفيفة والمكاحل والجرارات التي استخدمت لرمي السهام والنيران.
وصلت طلائع الجيش المملوكي إلى أسوار عكا في الخامس من أبريل عام 1291م (جمادى الأولى 690 هـ)، ونُصب الدهليز السلطاني الأحمر على تلة مشرفة على المدينة لتوجيه العمليات العسكرية وإدارة الحصار.
كانت عكا في تلك الفترة من أحصن مدن الساحل الشرقي للبحر المتوسط؛ إذ كانت محاطة بأسوار مزدوجة شاهقة مدعمة باثني عشر برجاً دفاعياً رئيسياً، أبرزها "برج الملك" و"برج الملعون" و"برج القديس نيقولا".
وتولت الدفاع عنها القوى الصليبية الكبرى في المنطقة، ممثلة بفرسان الهيكل (الداوية) بقيادة ويليام أوف بوجيو، وفرسان الإسبتارية، والتيوتون، وبدعم مباشر من حامية مملكة قبرص بقيادة الملك هنري الثاني.
فرض الجيش المملوكي حصاراً محكماً استمر 44 يوماً، قُسّمت خلاله خطوط المواجهة على كبار أمراء المماليك، وبدأ القصف المتواصل بالمنجنيقات لإحداث ثغرات في السور الخارجي للمدينة.
حاول الكفار الصليبيون القيام بغارات ليلية مباغتة لتعطيل آلات الحصار وإحراق المنجنيقات، إلا أن خطوط الدفاع المملوكية
واليقظة العسكرية أفشلت تلك المحاولات، وتكبد الكفار خسائر كبيرة في الأرواح، مع مقتل عدد من قادتهم وازدياد انهيار معنوياتهم مع استمرار الحصار.
وفي فجر يوم الجمعة، السابع عشر من جمادى الأولى سنة 690 هـ (الثامن عشر من مايو 1291م)، أوعز السلطان بالأمر التنفيذي للاقتحام الشامل، وصاحب ذلك قرع الطبول العسكرية الكبرى المحمولة على الجمال لتنظيم الحركات القتالية ورفع الروح المعنوية للجنود.
تركز الهجوم الرئيسي على القطاع الذي يشرف عليه "البرج الملعون"، وتمكنت قوات المماليك من اختراق السور الخارجي والدخول بنجاح إلى المدينة، لتنتقل المعارك مباشرة إلى شوارع عكا وأزقتها الضيقة في مواجهات عنيفة تراجعت على إثرها القوات الصليبية المدافعة نحو الميناء في محاولة للفرار بحراً إلى قبرص.
تسببت حالة الذعر وتدافع الهاربين في غرق عدد من القوارب والسفن المثقلة بالحمولة في الميناء، في حين تحصنت بقية من فرسان المعبد في قلعتهم المحاذية للبحر وصمدوا فيها عدة أيام، حتى انهارت القلعة فوق رؤوسهم نتيجة عمليات النقب الحثيثة التي نفذها المهندسون المسلمون تحت الأسوار.
وبإعلان السيطرة التامة على عكا، تهاوت الدفاعات الصليبية في بقية المراكز الساحلية تلقائياً نتيجة الانهيار المعنوي والعسكري؛ تم إجلاء القوات الصليبية عن صور، وصيدا، وبيروت، وحيفا، وطرطوس وطردهم خلال الأشهر القليلة التالية.
وصدرت الأوامر السلطانية بهدم التحصينات الساحلية بالكامل لمنع الصليبيون من الاستفادة منها مستقبلاً، وفي العام التالي (691 هـ)، قاد الأشرف خليل حملة ناجحة أخرى ضد إحدى القلاع الواقعة على نهر الفرات لإيقاف التهديدات الأرمنية والمغولية.
وعلى الرغم من هذا الإنجاز العسكري التاريخي الذي أنهى الوجود الصليبي الرئيسي في بلاد الشام بعد نحو قرنين من الزمان، إلا أن عهد الملك الأشرف خليل لم يدم طويلاً بسبب تنامي الخلافات السياسية والمادية بينه وبين كبار أمراء المماليك حول توزيع الإقطاعات والوظائف الرسمية.
وفي 12 محرم سنة 693 هـ (ديسمبر 1293م)، وأثناء رحلة صيد للسلطان في شمال مصر قرب منطقة "الطرانة/تروجة"، حيكت ضده مؤامرة غادرة قادها نائبه بدر الدين بيدرا ومجموعة من الأمراء المتآمرين، حيث باغتوه في البرية ونفذوا عملية اغتيال أنهت حياته وهو في عمر 26 عاماً، فرحل بذلك السلطان تاركاً وراءه بلاداً مطهرة من الصليبيين الكفار، وصفحة مطوية من تاريخ الحروب الصليبية في المشرق.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق