تُعد حرب اليمن (1962 – 1967) واحدة من أكثر المحطات إثارة للجدل والتحليل في التاريخ العسكري والسياسي المصري المعاصر. ورغم أن هذه الحرب فرضت تكاليف بشرية واقتصادية باهظة واستنزافاً كبيراً لقوات الجيش المصري قبيل نكسة 1967، إلا أن قراءة المشهد من زاوية الأهداف الإستراتيجية التي انطلقت من أجلها الحملة تُظهر بوضوح أن مصر حققت في النهاية هدفها الجيوسياسي والتاريخي الأساسي.
1. خلفية الصراع وبداية التدخل المصري
في 26 سبتمبر 1962، قاد الضباط الأحرار اليمنيون بقيادة المشير عبد الله السلال ثورة ضد الحكم الإمامي الزيدي (المملكة المتوكلية) بزعامة الإمام محمد البدر، وأعلنوا قيام الجمهورية العربية اليمنية.
استنجدت القيادة الثورية اليمنية الجديدة بالقاهرة لدعم النظام الجمهوري الوليد بعدما فرّ الإمام إلى الشمال وحشد القبائل بدعم إقليمي ودولي، فقرر الرئيس جمال عبد الناصر إرسال قوات مسلحة مصرية لمساندة الثورة، انطلاقاً من المبادئ التالية:
حماية المد القومي والتحرري: منع وأد أول تجربة ثورية عربية جمهورية في شبه الجزيرة العربية.
الأمن القومي للبحر الأحمر: تأمين المدخل الجنوبي للبحر الأحمر ومضيق باب المندب كعمق إستراتيجي لقناة السويس وللأمن القومي المصري.
2. التحديات والتضحيات في مسرح العمليات
لم تكن الحرب سهلة، حيث اصطدم الجيش المصري بطبيعة جغرافية جبلية وعرة لم يتدرب عليها مسبقاً، وحرب عصابات وقبائل شرسة:
تدرج حجم القوات: بدأ التدخل بسرية صاعقة وسرب طائرات، ثم تصاعد ليصل قوام القوات المصرية في ذروة الحرب إلى قرابة 70 ألف جندي.
الخسائر المادية والبشرية: استشهد آلاف الجنود والضباط المصريين، واستنزفت الحرب الخزانة والقدرات التسليحية المصرية، مما ألقى بظلال ثقيلة على الجاهزية العسكرية المصرية عام 1967.
الانسحاب المنظم: انتهى التواجد العسكري المصري المباشر بعد قمة الخرطوم (أغسطس 1967) بعد توقيع اتفاق بين الرئيس عبد الناصر والملك فيصل لسحب القوات المصرية ووقف الدعم المالي والعسكري عن الجبهة الملكية.
3. الهدف الرئيسي الذي تحقق: ترسيخ الجمهورية وإسقاط الإمامة
كان الرهان الأساسي لخصوم الثورة هو أن انسحاب القوات المصرية سيعني سقوط العاصمة صنعاء في غضون أيام وعودة الحكم الإمامي القديم. ولكن ما حدث أثبت نجاح المهمة التأسيسية التي قامت بها مصر:
صمود حصار السبعين يوماً (1967 – 1968): فور استكمال انسحاب القوات المصرية في نهاية 1967، حاصرت القوات الملكية العاصمة صنعاء لمدة 70 يوماً في محاولة أخيرة لاقتحامها. بفضل العقيدة والتدريب والتسليح الذي بنته مصر للجيش الجمهوري اليمني، نجحت القوات اليمنية والمقاومة الشعبية في كسر الحصار وهزيمة الملكيين نهائياً ودحرهم.
تثبيت النظام الجمهوري رسمياً: أجبر كسر الحصار القوى الإقليمية والدولية على الاعتراف بالأمر الواقع؛ فتم إعلان اليمن دولة جمهورية بشكل دائم، وطُويت صفحة حكم الأئمة التي استمرت قروناً دون رجعة.
تصفية الاستعمار البريطاني في جنوب اليمن: أشعل الوجود المصري في الشمال جذوة ثورة 14 أكتوبر 1963 في جنوب اليمن ضد الاحتلال البريطاني، حيث قدمت مصر دعماً عسكرياً وسياسياً مباشراً لجبهة التحرير والجبهة القومية، مما أجبر بريطانيا على الانسحاب من عدن وجنوب اليمن عام 1967 وإعلان جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.
تأمين مضيق باب المندب استراتيجياً: أثمر تثبيت أنظمة وطنية صديقة لمصر في شمال وجنوب اليمن ثماره العسكرية الكبرى لاحقاً خلال حرب أكتوبر 1973؛ إذ أغلقت مصر مضيق باب المندب بالتعاون مع اليمن الجنوبي في وجه الملاحة الإسرائيلية، مشكّلة حصاراً بحرياً شل حركة ميناء إيلات الإسرائيلي.
إذا قيست حرب اليمن بالمنظور العسكري البحت أو التكلفة الاقتصادية اللحظية، فقد كانت باهظة على الجيش المصري قبيل نكسة يونيو. لكن بالمنظور التاريخي والجيوسياسي، حققت مصر غايتها الإستراتيجية الكبرى: بقاء الجمهورية اليمنية، إنهاء حكم الإمامة إلى الأبد، طرد الاستعمار البريطاني من جنوب الجزيرة، وتأمين مفتاح البحر الأحمر كعمق أمني مصري فاعل.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق