تنبيه:
بعض العجماوات ظن أن نقلي عن شيخ الإسلام في المنشور الذي في التعليق الأول؛ هو ادعاء مني أن ابن تيمية يحتج بالوقوع على المشروعية!
فراح ينسج على هذا المنوال ويلبس على أشباهه من العوام!
كيف وقد نقلت النص بتمامه، وصدره: (ولا يدخل في هذا الباب)، ولم أبتره كما يفعلون؟!
وأنه صرح بالبدعية والتحريم في موضع آخر، فلم أكتف بالبدعية فقط، وأحلت على كلامه الآخر لتمام الأمانة ومنع اللبس؟!
فالمقصود من النقل ليس نسبة المشروعية لابن تيمية!
بل المقصود ما لا يفهمونه ولن يستطيعوا فهمه كسائر المتعصبين، مع أنني نصصت عليه فيما يستفاد من النقل، وهو واضح يفهمه أدنى الناس عقلا إذا كان خلوا من الفيروس المفسد للعقول.
لكن الخصومة تطمس العقول، فإن أضيف إليها التعصب فظلام دامس، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور.
راجع المنشور في التعليق، وتأمل ما عقبت به، واحكم بنفسك على فعل أولئك الذين لا يعقلون.
قال ابن تيمية رحمه الله:
(ولا يدخل في هذا الباب: ما يروى من أن قوما سمعوا رد السلام من قبر النبي ﷺ، أو قبور غيره من الصالحين.
وأن سعيد بن المسيب كان يسمع الأذان من القبر ليالي الحرة، ونحو ذلك.
فهذا كله حق، ليس مما نحن فيه، والأمر أجل من ذلك وأعظم.
وكذلك أيضا ما يروى: "أن رجلا جاء إلى قبر النبي ﷺ، فشكا إليه الجدب عام الرمادة، فرآه وهو يأمره أن يأتي عمر، فيأمره أن يخرج يستسقي بالناس"؛ فإن هذا ليس من هذا الباب.
ومثل هذا يقع كثيرا لمن هو دون النبي ﷺ، وأعرفُ من هذا وقائع.
وكذلك سؤال بعضهم للنبي صلى الله عليه وسلم، أو لغيره من أمته حاجة فتقضى له، فإن هذا قد وقع كثيرا، وليس هو مما نحن فيه.
وعليك أن تعلم: أن إجابة النبي ﷺ أو غيره لهؤلاء السائلين، ليس مما يدل على استحباب السؤال؛
فإنه هو القائل ﷺ:
«إن أحدهم ليسألني المسألة فأعطيه إياها، فيخرج بها يتأبطها نارا فقالوا: يا رسول الله، فلم تعطيهم؟ قال: يأبون إلا أن يسألوني، ويأبى الله لي البخل».
وأكثر هؤلاء السائلين الملحين لما هم فيه من الحال، لو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم، كما أن السائلين به في الحياة كانوا كذلك، وفيهم من أجيب وأمر بالخروج من المدينة.
فهذا القدر إذا وقع (يكون كرامة لصاحب القبر)، أما أن يدل على حسن حال السائل، فلا فرق بين هذا وهذا.
فإن الخلق لم ينهوا عن الصلاة عند القبور واتخاذها مساجد استهانة بأهلها، بل لما يخاف عليهم من الفتنة، وإنما تكون الفتنة إذا انعقد سببها، فلولا أنه قد يحصل عند القبور ما يخاف الافتتان به لما نهي الناس عن ذلك.
وكذلك ما يذكر من الكرامات، وخوارق العادات، التي توجد عند قبور الأنبياء والصالحين، مثل: نزول الأنوار والملائكة عندها، وتوقي الشياطين والبهائم لها، واندفاع النار عنها وعمن جاورها، وشفاعة بعضهم في جيرانه من الموتى، واستحباب الاندفان عند بعضهم، وحصول الأنس والسكينة عندها، ونزول العذاب بمن استهانها= فجنس هذا حق، ليس مما نحن فيه.
وما في قبور الأنبياء والصالحين، من كرامة الله ورحمته، وما لها عند الله من الحرمة والكرامة فوق ما يتوهمه أكثر الخلق، لكن ليس هذا موضع تفصيل ذلك.
وكل هذا لا يقتضي استحباب الصلاة، أو قصد الدعاء أو النسك عندها، لما في قصد العبادات عندها من المفاسد التي علمها الشارع، كما تقدم. فذكرت هذه الأمور لأنها مما يتوهم معارضته لما قدمناه، وليس كذلك).
وهذا النقل من أهم النقول وأصعبها على خوارج الزمان النابتة، وكنت نقلته هنا قبل ثمان سنوات فحاصوا حيصة حمر الوحش.
ويتبين منه:
أن الشيخ لا ينفي الكرامة عن الميت، ولا يقصرها على الولي في حياته.
وأنه إنما يمنع ذلك سدا للذريعة،
وأن غاية حكم ما ذكره: عدم المشروعية، والبدعية، والتحريم كما صرح به في غير هذا الموضع، لا الشركية.
وليعلم أن الشيخ لأنه عاقل ذكي: لا يرى استحباب طلب الدعاء من الحي إلا بقصد نفع الداعي كالمدعو له!
وهذا نفسه خلاف الإجماع الذي حكاه النووي.
وما من شخص يقرأ هذا الكلام ثم يكفر بالاستغاثة بإطلاق= إلا وفي عقله خبل، أو أحمق سفيه لا يعرف المقدمات والنتائج.
وهو مثل من يقول: هذا الدواء مجرب في علاج هذا المرض، لكن من استعمله فهو مشرك؛ لأنه منهي عن تناوله!
ولا مدخل للشرك في مثل هذا بحال، وإنما غاية الأمر: أن يقول بعدم المشروعية، أو التحريم، وهذا نفسه لا يسلم بإطلاق. فافهم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق