Sheikh Fawzy Mohamed Abuzeid

Loading...

الأربعاء، 12 يونيو، 2013

حكم إحياء ليلة النصف من شعبان



من كتاب : الخطب الإهامية فى شهر شعبان وليلة النصف
لفضيلة الشيخ / فوزى محمد أبوزيد 
رئيس الجمعية العامة للدعوة إلى الله تعالى 

 هذه الليلة قد أمر الحبيب بقوله بإحيائها وقام بنفسه فيما ثبت من الروايات الصحيحة بإحيائها فقد قال : { إذا كانت ليلة النصف من شعبان نزل الله لغروب شمسها إلى السماء الدنيا فيغفر لأهل الأرض  جميعاً إلا لمشرك أو مشاحن  أو قاطع رحم أو مصرّ على معصية أو شارب خمر أو زان, فإذا كانت هذه الليلة فَقُومُوا لَيْلَهَا وَصُومُوا نَهَارَهَا } رواه الإمام أبو داود عن الإمام علي كرم الله وجهه ورضي عنه هذه هي السنة القولية .. وفى رواية أخرى : { إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فَقُومُوا لَيْلَهَا، وَصُومُوا نَهَارَهَا، فَإِنَّ اللهَ يَنْزِلُ فِيهَا لِغُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: أَلاَ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ لِي، فَأَغْفِرَ لَهُ، أَلاَ مُسْتَرْزِقٌ، فَأَرْزُقَهُ، أَلاَ مُبْتَلًى فَأُعَافِيَهُ، أَلاَ كَذَا، أَلاَ كَذَا، حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ } سنن ابن ماجة عن علي بن أبى طالب فغير الموفقين قالوا هذا الحديث حديث ضعيف ولا يجب أن نأخذ إلا بالحديث القوي! كيف ذلك.
دَأب العلماء الأجلاء جميعاً منذ عصر رسول الله إلى عصرنا هذا و من القواعد الأصولية في علم الأصول، أصول الفقه الذي هو مادة التشريع الإسلامي: يؤخذ بالحديث الصحيح المتفق على صحته في الأحكام الفقهية التشريعية التي تهم المسلمين في كل أمور حياتهم في الزواج وفي الطلاق وفي الميراث وفي البيع وفي الشراء،  لكن بالنسبة للاجتهاد في طاعة الله فمبدأهم في علم الحديث (يؤخذ بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال) ... لماذا؟ لأنك لن تسيئ إلى أحد إذا عملت هذا العمل, و لن تضر أحداً باستزادتك من هذا الفعل وإنما هذا فعل خاص لك وفي نفسك ولا يضر أن تعمله في أي وقت ...   وخذوا أمثلة على ذلك:
الاجتماع للدعاء! هل هناك مانع شرعي من جمع المسلمين للدعاء في أي وقت وفي أي مكان؟ في أي زمان تنتاب المسلمين شدة يجب عليهم أن يجتمعوا للدعاء ولقول النبى { يَدُ الله مَعَ الجَمَاعَةِ } ، وفي أي زمان لأن الدعاء ليس له وقت كراهة، بعد صلاة الصبح، بعد العصر، في أي وقت يدعون الله  وعلى وضوء أو علي غير وضوء لأن الدعاء لا يشترط له الطهارة الحسية بالوضوء وإنما أساس قبوله الطهارة القلبية لتطهير السر والقلب لله إذاً ما الذي يمنع من الدعاء في هذه الليلة؟
قراءة سور من القرآن في أي ليلة ما الذي يمنعها؟ وإذا كان بعضهم يمنع قراءة القرآن للآخرين لا أقول للأموات كما يقولون ولكن أقول للأحياء والأموات فإني يجوز لي أن أقرأ القرآن لرجل حيٍّ وأهبه له، ونفترض أن هذا القرآن ثوابه لم يصل إليه !! فهل لا يصل ثوابه إليّ وأنا الذي أتلوه؟
يحرِّمون قراءة الفاتحة وتكرارها كما كررناها اليوم !! كررنا أم الكتاب لو لم تكن تستجاب فأي شئ يستجاب ؟ فقد قيل لأحد الأئمة أيقبل الله منا قراءة الفاتحة؟ فقال : (كيف لا يقبلها وهي كلامه منه خرج وإليه يعود) إن لم يقبل كلامه فأي كلام يقبل؟ فالذين يقولون أن هؤلاء يقرأون الفاتحه خمسين مرة وما في هذا لو كررت الفاتحة خمسين مرة بمفردك أليست تلاوة لكتاب الله؟ ألم يكن رسول الله يأخذ الليلة كلها من بدأها إلى ختامها في ترديد آية واحدة من كتاب الله؟ وكل مرة لك الثواب كل حرف بعشر حسنات!! لا أقول ألم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف, فأنت طالما تتلوها فأنت تتعبد لله بخير عبادة يقبل عليها الله !! قال فيها الحبيب: {أَفْضَلُ عِبَادَةِ أُمَّتِي تِلاَوَةُ الْقُرْآنِ }  وقال { لا يَقْعُدُ قَومٌ يَذكُرُونَ اللَّهَ تعالـى- ولم يحدد زماناً ولا مكاناً -  إلا حفَّتْهُمُ الـمَلائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، ونَزلَتْ عَلـيهِمُ السَّكِينَةُ، وذكَرَهمُ اللَّهُ تَعالـى فِـيـمَن عِنْدَهُ }  .
من يتألى على الله فيزعم أن هذا الحديث لا ينطبق على المجالس المباركة في هذه الليلة .؟..  الحديث واضح وصريح.

عن معاذ بن جبل قال: «قال رسول الله : "يطلع الله إلى جميع خلقه ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن"»
^ السلسلة الصحيحة، تأليف: الألباني، 3/135، وقال: حديث صحيح.،^ الترغيب والترهيب، تأليف: المنذري، 2/132، وقال عنه: إسناده صحيح أو حسن أو ما قاربهما.
عن أبي بكر قال: «قال رسول الله : "ينزل الله ليلة النصف من شعبان فيغفر لكل نفس إلا إنسانا في قلبه شحناء أو مشركا بالله عز وجل"
^ الأمالي المطلقة، تأليف: ابن حجر العسقلاني، رقم 122، وقال عنه: حسن إن كان من رواية القاسم عن عمه.
عن عائشة بنت أبي بكر قالت: «قال رسول الله : "إن الله ينزل ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا، فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب"»^تخريج مشكاة المصابيح، : الألباني، رقم1251، وقال عنه: صحيح لغيره.
عن عائشة بنت أبي بكر قالت: «قام رسول الله من الليل يصلي، فأطال السجود حتى ظننت أنه قد قبض، فلما رأيت ذلك قمت حتى حركت إبهامه فتحرك فرجعت، فلما رفع إلي رأسه من السجود وفرغ من صلاته، قال: يا عائشة أظننت أن النبي قد خاس بك؟، قلت: لا والله يا رسول الله، ولكنني ظننت أنك قبضت لطول سجودك، فقال: أتدرين أي ليلة هذه؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: هذه ليلة النصف من شعبان، إن الله عز وجل يطلع على عباده في ليلة النصف من شعبان، فيغفر للمستغفرين، ويرحم المسترحمين، ويؤخر أهل الحقد كما هم»
^ شعب الإيمان، تأليف: البيهقي، 3/140/5، وقال: مرسل جيد.
عن علي بن أبي طالب قال: «قال رسول الله : "إذا كان ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارها فإن الله ينزل فيها إلى سماء الدنيا فيقول ألا من مستغفر فأغفر له ، ألا من مسترزق فأرزقه ألا من مبتلى فأعافيه ألا كذا ألا كذا حتى يطلع الفجر"»
^ تحفة الذاكرين، تأليف: الشوكاني، رقم 241، وقال عنه: إسناده ضعيف.
عن أبو ثعلبة الخشني قال: «قال رسول الله : "يطلع الله إلى عباده ليلة النصف من شعبان فيغفر للمؤمنين ويمهل الكافرين ويدع أهل الحقد بحقدهم حتى يدعوه"»^ الترغيب والترهيب، تأليف: المنذري، 3/392، وقال عنه: إسناده صحيح أو حسن أو ما قاربهما.
 الأحاديث الواردة في فضل هذه الليلة صحيحة،
وحتى الضعيف منها فيعمل به في هذا الباب لأنه من فضائل الأعمال
وقد ورد عن جماعة من السلف اعتناؤهم بهذه الليلة واجتهادهم بالعبادةفيها كما قال ذلك ابن رجب الحنبلي: «وليلة النصف من شعبان كان التابعون من أهل الشام كخالد بن معدان ومكحول ولقمان بن عامر وغيرهم يعظمونها ويجتهدون فيها في العبادة، وعنهم أخذ الناس فضلها وتعظيمها»
^ لطائف المعارف، تأليف: ابن رجب الحنبلي، ص161.

و قال ابن تيمية: «وأما ليلة النصف فقد روي في فضلها أحاديث وآثار ونقل عن طائفة من السلف أنهم كانوا يصلون فيها، فصلاة الرجل فيها وحده قد تقدمه فيه سلف وله فيه حجة فلا ينكر مثل هذا» 
^ الفتاوى، تأليف: ابن تيمية، 23/132.
 لذا فإنهم يعتنون بهذه الليلة أشد الاعنتاء،
حتى قال عبد الله صديق الغماري ناصحاً 
فقم ليلة النصف الشريف مصلياً فأشرف هذا الشهر ليلة نصفه
فكم من فتى قد بات في النصف آمناً وقد نسخت فيه صحيفة حتفه

فبادر بفعل الخير قبل انقضاءه وحاذر هجوم الموت فيه بصرفه

وصم يومه لله وأحسن رجاءه لتظفر عند الكرب منه بلطفه


إحياء ليلة النصف من شعبان:
ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة إلى ندب إحياء ليلة النصف من شعبان في ( مراقي الفلاح ص218 , وحاشية ابن عابدين 1/460 , شرح المنهاج 2/127 ).
وقال البهوتي في ( الروض المربع 1/225 ): ولا يقومه – الليل – كله إلا ليلة عيد ويتوجه ليلة النصف من شعبان .
ويقول صاحب ( إعانة الطالبين 2/270 ) – الشافعي المذهب – : إن الأعمال تعرض على الله تعالى ليلة النصف من شعبان وهذا قوله : والمراد عرضها – الأعمال – على الله تعالى أي إجمالاً سواء كان عرض الأثنين والخميس أو ليلة النصف أو ليلة القدر , فالفرق إنما هو في الإجمال والتفصيل , فعرض الأثنين والخميس على الله تعالى إجمالي وكذا عرض ليلة النصف من شعبان .
استدل الجمهور بما يلي :
قوله عليه الصلاة والسلام : ( إذا كانت ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارها فإن الله ينزل فيها لغروب الشمس إلى السماء الدنيا فيقول: ألا من مستغفر فأغفر له, ألا مسترزق فأرزقه, ألا مبتلى فأعافيه... كذا... كذا... حتى يطلع الفجر ). [ رواه ابن خزيمة ].
وقوله صلى الله عليه وسلم: ( إن الله يطلع ليلة النصف من شعبان, فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن ). [ رواه ابن ماجة 1/445 , وحسنه الشيخ الألباني ورواه ابن حبان في صحيحه 12/418 ] .
وعن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( يطلع الله عز وجل إلى خلقه ليلة النصف من شعبان فيغفر لعباده إلا لاثنين مشاحن وقاتل نفس ) . [ رواه ابن حبان في صحيحه 5665 , قال الشيخ شعيب الأرناؤوط : حديث صحيح بشواهده ] .
قال صاحب ( تحفة الأحوذي 3/ 367 ) : فهذه الأحاديث بمجموعها حجة على من زعم أنه لم يثبت في فضيلة ليلة النصف من شعبان شيء .

عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال : قلت : يا رسول الله لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان ؟ قال : ” ذاك شهر يغفل
الناس عنه بين رجب ورمضان ، وهو شـهر تُرفع فيه الأعمال إلى رب العالمين ، وأحب أن يُرفع عملي وأنا صائم ” قال المنذري: رواه النسائي ( 1) الترغيب والترهيب للمنذري 2/ 48 .
قلت : وأخرجه الإمام أحمد في مسنده .
وليس هذا الرفع خاصاً بشعبان بل جاء في الأحاديث الشريفة ما يدل على تعدد رفع الأعمال في أوقات مختلفة ، ولا تنافي بينها فإن لكل رفع حكماً تتعلق به .
تقدير الأعمار
وفي شهر شعبان تُقدّر الأعمار ، والمقصود إظهار هذا التقدير وإبرازه ، وإلاّ فإن أفعال الحق سـبحانه وتعالى لا تُقيّد بزمان ولا مكان ﴿ ليس كمثله شئ وهو السميع البصير ﴾ ( 1 ) الشورى : 11 .
، جاء في الحديث عن السيدة عائشة رضي الله عنها أن النبي صلّىالله عليه وسلّم كان يصوم شعبان كله ، قالت : قلت : يا رسول الله أحب الشهور إليك أن تصومه شعبان ؟ قال : ” إن الله يكتب فيه على كل نفس ميتة تلك السنة ، فأحب أن يأتيني أجلي وأنا صائم ” ( 2 ) هكذا في نسخ الترغيب والترهيب وكذا في النسـخة المـطبوعة من مسند أبي يعلى ج 8 ص 312 رقم 4911 ، والظـاهر أن قوله : ” فأحب أن يأتينى أجلى وأنا صـائم ” فيه تحريف ، والصواب : ” فأحب أن يرفع – أو أن يكتب – عملي وأنا صائم ” ، وقد جاء هذا اللفظ في كثير من الروايات الصحيحة الواردة في هذا الباب غير هذا الحديث كقوله :”شهر ترفع فيه الأعمال فأحب أن يرفع عملى وأنا صائم “، وهو الذي يقتضيه سياق كلامه صلّىالله عليه وسلّم ، وهو الذي جاء التصريح به في رواية الخطيب في التاريخ بسنده إلى السيدة عائشـة ، وفيها : ” وأحب أن يكتب أجلي وأنا في عبادة ربي ” .
رواه أبو يعلى وهو غريب وإسناده حسن .
ولذلك كان صلّ الله عليه وسلّم يكثر صيامه ، يقول أنس بن مالك رضي الله عنه : كان رسول الله صلّىالله عليه وسلّم يصوم ولا يفطر ، حتى نقول : ما في نفس رسول الله صلّىالله عليه وسلّم أن يفطر العام ، ثم يفطر فلا يصوم حتىنقول : ما في نفسه أن يصوم العام ،
وكان أحب الصوم إلـيه في شعبان ” رواه أحمد والطبرانى .

الاجتماع لإحياء النصف من شعبان :

قال ابن رجب الحنبلي : وليلة النصف من شعبان كان التابعون من أهل الشام كخالد بن معدان ومكحول ولقمان بن عامر وغيرهم يعظمونـها ويجتهدون فيها في العبادة ، وعنهم أخذ الناس فضلها وتعظيمها ، وقد قيل إنه بلغهم في ذلك آثار إسرائيلية فلما اشتهر ذلك عنهم في البلدان اختلف الناس في ذلك ، فمنهم من قبله منهم ووافقهم على تعظيمها ، منهم طائفة من عُبّاد أهل البصرة وغيرهم .
وأنكر ذلك أكثر علماء أهل الحجاز منهم عطاء وابن أبي مليكة ونقله عبدالرحمن بن زيد بن أسلم عن فقهاء أهل المدينة وهو قول أصحاب مالك وغيرهم وقالوا : ذلك كله بدعة (1). (1) لطائف المعارف لابن رجب الحنبلي ص 161
ونحن لا ننكر على من يرى أن الاجتماع بدعة ، فهذا رأيه وفكره بحسب اجتهاده ونظره وبحثه وهو من حقه أن يرى وينظر ويفكر ويقرر كما يشاء ما دام أنه يسعى في الخير ويجتهد في الوصول إليه لكن المصيبة الكبرى التي يقع فيها كثير من هؤلاء المنكرين هو حجب الحقائق عن الناس وإبراز أقوالهم فقط بأدلتها
أو جهة الاستنباط والاستظهار فيها وبـهذا يوهمون العامة والمثقفين البسطاء أنه ليس في الباب إلا هذا القول وأن ما سواه باطل أو كذب وهذا في الحقيقة هو عين التدليس والكذب.
وأقول لهم : اجتهدوا كما شئتم وأيدوا ما شئتم وقولوا ما شئتم بعد بيان الخلاف الوارد في المسألة و إثبات ما جاء كما جاء مـهـما كان هذا الخلاف ولو كان مخالفاً لأقوالكم ثم أيدوا ما شئتم وردّوا ما شئتم .
وانظر أخي الكريم إلى ابن رجب وأمانته فيما قال فقد بدأ كلامه بذكر الخلاف فقال : اختلف علماء الشام في صفة إحيائها على القولين .
أحدهما : أنه يستحب إحياؤها جماعة في المساجد .
والثاني : أنه يكره في المساجد ولا يكره أن يصلي الرجل فيها لخاصة نفسه إلى آخر كلامه . ثم رجّح وصحّح ما يراه فقال : وهذا هو الأقرب .
الله أكبر ! ما أعظم هذه الأمانة ويا ليت أصحابنا من الدعاة والوعاظ يلاحظون هذا المنهج الراقي العقلاني الصافي في كلامهم وهجومهم على العلم والعلماء والمتعبدين والعاملين بـهذه الفضائل .
معنى القول بالبدعة في هذا الباب :
والبدعة تطلق في الشرع على ما قابل السنة فتكون سيئة مذمومة ، وعند الإطلاق تنصرف إليها .
وقد تطلق على ما استحدث بعد عهد النبوة واندرج تحت أصل عام مستحسن شرعاً ، فتكون حسنة ممدوحة .
قال الإمام الغزالي في كتاب آداب الأكل من الإحياء : ليس كل ما بعد الرسول صلّ الله عليه وسلّم منهياً عنه بل المنهي عنه بدعة تضاد السنة الثابتة وترفع أمراً من الشرع مع بقاء علته ، بل الابتداع قد يجب في بعض الأحوال إذا تغيرت الأسباب . اهـ
وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: والتحقيق أن البدعة إن كانت مما يندرج تحت أصل مستحسن شرعاً فهي حسنة ، وإن كانت مما يندرج تحت أصل مستقبح شرعاً فهي مستقبحة ، وإلا فهي من قسم المباح ، وقد تنقسم إلى الأحكام الخمسة . اهـ
وممن ذهب إلى انقسامها إلى الأحكام الخمسة الإمام القرافي تبعاً لشيخه العز بن عبدالسلام كما نقله الإمام الشاطبي في الاعتصام.
فمن ذهب إلى القول الأول عَنى أن الإحياء ليس بدعة مذمومة بل هو بدعة مستحسنة ، ولعله لاندراجه تحت أصل مستحسن شرعاً وهو الذكر والدعاء المشروعان انفراداً واجتماعاً في المساجد وغيرها وفي كل وقت وحال .
ومن ذهب إلى القول الثانى عَنى أنه بدعة مذمومة شرعاً لكراهة التزام عبادة معينة في وقت معين لم يرد بـها الشرع فيه على سبيل اللزوم .
قال الإمام القرافي : إن تخصيص الأيام الفاضلة أو غيرها بنوع من العبادة بدعة مكروهة . اهـ

وقد درج على استحباب إحياء ليلة النصف ببعض العبادات انفراداً وببـعضـها اجتماعاً العلامـة شـهـاب الدين أحمد ابن حجازي الفشني في كتابه ( تحفة الإخوان ) تبعاً لحجة الإسلام الغزالي مطلقاً وللحافظ ابن رجب في حالة الانفراد ، وللأئمة من التابعين ومن وافقهم الذاهبين إلى استـحبابه في حالتي الانفراد والاجتماع فقال : والحاصل أن إحياء ليلة النصف مستحب لما ورد فيه من الأحاديث ، ويكون ذلك بالصلاة بغير تعيين عدد مخصوص ، وبقراءة القرآن فرادى وبذكر الله تعالى والدعاء والتسبيح والصلاة على النبي صلّىالله عليه وسلّم جماعة وفرادى ، وبقراءة الأحاديث وسماعه ، وعقد الدروس والمجالس للتفسير وشرح الأحاديث ، والكلام على فضائل هذه الليلة ، وحضور تلك المجالس وسماعها وغير ذلك من العبادات. اهـ
فضل الذكر انفراداً واجتماعاً
أما ذكر الله تعالى في أي وقت وحال فهو خير الأعمال وأزكاها عند الله تعالى . وفي الحديث : ” ما عمل ابن آدم عملاً أنجى له من عذاب الله من ذكر الله تعالى ” . والاجتماع فيه مشروع مرغّب فيه كما يدل عليه الحديث القدسي : ” أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني ، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه ” .
وحديث مسلم : ” لا يقعد قوم يذكرون الله تعالى إلا حفّتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السـكينة وذكرهم الله في من عنده ” ويؤخذ منهما فضل الاجتماع على مذاكرة العلم ومدارسة القرآن وقراءة التفسير والحديث والفقه وعلى الترغيب والترهيب ، إذ كلها ذكر لله تعالى وللاجتماع فيها فضل عظيم (1 ) الكلمات الحسان في فضائل ليلة نصف شعبان للشيخ حسنين محمد علي مخلوف العدوي ص 9
أقوال بعض أئمة السلف
وقد روي عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى عامله بالبصرة : عليك بأربع ليال من السنة فإن الله يفرغ فيهن الرحمة إفراغاً أول ليلة من رجب وليلة النصف من شعبان وليلة الفطر وليلة الأضحى ، وفي صحته عنه نظر .
وقال الشافعي رضي الله عنه : بلغنا أن الدعاء يستجاب في خمس ليال : ليلة الجمعة والعيدين وأول رجب ونصف شعبان .


وروى سـعيد بن منصور قال : حدثنا أبو معـشـر عن أبي حازم ومحمد بن قيس عن عطاء بن يسار قال : ” ما من ليلة بعد ليلة القدر أفضـل من ليلة النصف من شـعبان ينـزل الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا فيغفر لعباده كلهم إلا لمشرك أو مشاحن أو قاطع رحم “.

موقف ابن تيمية من ليلة النصف من شعبان :
قال الشيخ ابن تيمية : و أما ليلة النصف فقد روي في فضلها أحاديث وآثار ونقل عن طائفة من السلف أنـهم كانوا يصلون فيها ، فصلاة الرجل فيها وحده قد تقدمه فيه سلف وله فيه حجة فلا ينكر مثل هذا ، وأما الصلاة فيها جماعة فهذا مبنيٌّ على قاعدة عامة في الاجتماع على الطاعات والعبادات فإنه نوعان ، أحدهما : سنّة راتبة ، إما واجب وإما مستحب كالصلوات الخمس والجمعة والعيدين وصلاة الكسوف والاستسقاء والتراويح فهذا سنّة راتبة ينبغي المحافظة عليها والمداومة ، والثاني : ما ليس بسنة راتبة مثل الاجتماع لصلاة تطوّع مثل قيام الليل أو على قراءة قرآن أو ذكر الله أو دعاء ، فهذا لا بأس به إذا لم يتخذ عادة راتبة ، فإن النبي صلّىالله عليه وسلّم صلّى التطوّع في جماعةٍ أحياناً ولم يداوم عليه إلا ما ذكر ، وكان أصحابه إذا اجتمعوا أمروا واحداً منهم أن يقرأ والباقي يستمعون ، وكان عمر بن الخطاب يقول لأبي موسى : ذكّرنا ربّنا فيقرأ وهم يستمعون ، وقد روي أن النبي صلّىالله عليه وسلّم خرج على أهل الصّفة ومنهم واحد يقرأ فجلس معهم ، وقد روي في الملائكة السيّارين الذين يتبعون مجالس الذكر .. الحديث المعروف ، فلو أن قوماً اجتمعوا بعض الليالي على صلاة تطوع من غير أن يتخذوا ذلك عادة راتبة تشبه السنة الراتبة لم يكره لكن اتخاذه عادة دائرة بدوران الأوقات مكروه لما فيه من تغيير الشريعة وتشبيه غير المشروع بالمشروع ، ولو ساغ ذلك لساغ أن يعمل صلاة أخرى وقت الضحى أو بين الظهر والعصر أو تراويح في شعبان أو أذان في العيدين أو حجّ إلى الصخرة ببيت المقدس وهذا تغيير لدين الله وتبديل له ، وهكذا القول في ليلة المولد وغيرها .
التوجيه النبوي للعناية بالليلة
وقد أمر صلّ الله عليه وسلّم بالعناية بليلة النصف واغتنام بركة العمل الصالح فيها ، فعن علي رضي الله عنه عن النبي صلّىالله عليه وسلّم قال : ” إذا كانت ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها وصوموا يومها فإن الله تبارك وتعالى ينـزل فيها لغروب الشمس إلى السماء الدنيا فيقول : ألا من مستغفر فأغفر له ، ألا من مسـترزق فأرزقه ، ألا من مبتلى فأعافيه ألا كذا ، ألا كذا حتى يـطلع الفجر ” رواه ابن ماجه بسند فيه أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة ، قال في التقريب : رموه بالوضع ، وفي الخلاصة : وضعفه الباقون .
فالحديث بشواهده معتبر في فضائل الأعمال ، وقد ذكره العلماء المحققون في كتب الفضائل كالمنذري في الترغيب والترهيب ، والشرف الدمياطي في المتجر الرابح وابن رجب في لطائف المعارف .
والحاصل : أن هذه المسألة لها أصل تصير به معتبرة للعمل رجاء الثواب والأجر وفضل الله واسع .

وقد جاء في صيام النصف من شعبان قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم :عن عمران بن حصين رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له أو لآخر : (( أصمت من سرر شعبان قال لا . قال: فإذا أفطرت فصم يومين ))
وقد رجح العلماء ان المقصود بسرر شعبان هي منتصفه ومنهم الامام النووي وقد رجح ان الامام مسلم ايضا يميل لهذا القول حيث اورد حديث عمران بن حصين الوارد بلفظ السرة مفردا وتبعه بحديث عائشة رضي الله عنها و قد رجح هؤلاء مذهبهم بطريقين

الاول : عن طريق اللغة وهو ان اللغة تشهد لهم لأن السرة من الشيئ اوسطه وسرار الوداي اوسطه وخياره

الثاني : عن طريق الشرع  لأن حمل الحديث على اخر الشهر غير وراد فآخر يوم من شعبان مكروه الصيام فيه فهو يوم الشك فكيف يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقضاء من لم يصم ذلك اليوم وذلك اليوم يوم كراهة لا يوم ندب ؟

اما بالنسبة للقيام

ففي البداية اورد الاثار التي وردت في فضل هذه الليلة  ثم ادرج تعليقا عن الموضوع لأحد ائمة الحديث وهو صاحب تحفة الاحوذي

1- صحيح ابن حبان

عن معاذ بن جبل عن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال يطلع الله إلى خلقه في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه الا لمشرك أو مشاحن

ورد تعليق من ابو عمر على هذا الحديث : الحديث جاء في فضل الليلة من حيث أن الله يغفر فيها لعباده إلا لمشرك أو مشاحن ، فلا حث فيه على عمل بل هو تحذير من التشاحن والشرك ، ولا دليل على تفضيلها أو تخصيصها بعمل ، ثم أن الحديث يتكلم عن الليلة ، والصوم يكون في اليوم لا الليلة فكيف نقوي هذا بذاك ؟!

ان كان الله يغفر لعباده في هذه الليلة فحري بنا ان نكون في اول الواقفين بباب الاستغفار وطلب المغفرة .. وحري بنا الا نكون من المتشاحنين او المشركين بهذا يكتمل معنى الحديث اما بما ذكرت منه فقد اوردت نصف المعنى للحديث فقط !!

2- سنن ابن ماجه

باب ما جاء في ليلة النصف من شعبان

عن علي بن أبي طالب قال قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  إذا كانت ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارها فإن الله ينزل فيها لغروب الشمس إلى سماء الدنيا فيقول ألا من مستغفر لي فأغفر له ألا مسترزق فأرزقه ألا مبتلي فأعافيه ألا كذا ألا كذا حتى يطلع الفجر

عن عائشة قالت فقدت النبي  صلى الله عليه وسلم  ذات ليلة فخرجت أطلبه فإذا هو بالبقيع رافع رأسه إلى السماء فقال يا عائشة أكنت تخافين أن يحيف الله عليك ورسوله قالت قد قلت وما بي ذلك ولكني ظننت أنك أتيت بعض نسائك فقال إن الله تعالى ينزل ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب

عن أبي موسى الأشعري عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال إن الله ليطلع في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقة إلا لمشرك أو مشاحن

حدثنا محمد بن إسحاق ثنا أبو الأسود النضر بن عبد الجبار ثنا بن لهيعة عن الزبير بن سليم عن الضحاك بن عبد الرحمن عن أبيه قال سمعت أبا موسى عن النبي  صلى الله عليه وسلم  نحوه

3- سنن الترمذي

عن عائشة قالت فقدت رسول الله  صلى الله عليه وسلم  ليلة فخرجت فإذا هو بالبقيع فقال أكنت تخافين أن يحيف الله عليك ورسوله قلت يا رسول الله إني ظننت أنك أتيت بعض نسائك فقال إن الله عز وجل ينزل ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب وفي الباب عن أبي بكر الصديق قال أبو عيسى حديث عائشة لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث الحجاج وسمعت محمدا يضعف هذا الحديث وقال يحيى بن أبي كثير لم يسمع من عروة والحجاج بن أرطاة لم يسمع من يحيى بن أبي كثير

4- السنن الصغرى للبيهقي

عن أبي ثعلبة الخشني عن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال إذا كان ليلة النصف من شعبان اطلع الله إلى خلقه فيغفر للمؤمنين ويملي للكافرين ويدع أهل الحقد لحقدهم حتى يدعوه
حديث مكحول جاء موقوفا ومرفوعا
5- مصنف عبد الرزاق

عن كثير بن مرة أن الله يطلع ليلة النصف من شعبان إلى العباد فيغفر لأهل الأرض إلا رجل مشرك أو مشاحن
6- المعجم الكبير
عن أبي ثعلبة الخشني قال قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  أن الله يطلع على عباده ليلة النصف من شعبان فيغفر للمؤمنين ويملي الكافرين ويدع أهل الحقد بحقدهم حتى يدعوه

7- مسند إسحاق بن راهويه

عن عائشة عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال إذا كان ليلة النصف من شعبان نزل الرب تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا فيغفر من الذنوب عدد شعر غنم الكلب

8- مسند أحمد بن حنبل ج6/ص238
عن عائشة قالت فقدت رسول الله  صلى الله عليه وسلم  ذات ليلة فخرجت فإذا هو بالبقيع رافع رأسه إلى السماء فقال لي أكنت تخافين ان يحيف الله عليك ورسوله قالت قلت ظننت انك أتيت بعض نسائك فقال ان الله عز وجل ينزل ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب

9- تحفة الأحوذي
اعلم أنه قد ورد في فضيلة ليلة النصف من شعبان عدة أحاديث مجموعها يدل على أن لها أصلا فمنها حديث الباب وهو منقطع ومنها حديث عائشة قالت قام رسول الله  صلى الله عليه وسلم  من الليل فصلى فأطال السجود حتى ظننت أنه قد قبض فلما رأيت ذلك قمت حتى حركت إبهامه فتحرك فرجع فلما رفع رأسه من السجود وفرغ من صلاته قال يا عائشة أو يا حميراء أظننت أن النبي  صلى الله عليه وسلم  قد خاس بك قلت لا والله يا رسول الله ولكني ظننت أنك قبضت طول سجودك فقال أتدري أي ليلة هذه قلت الله ورسوله أعلم قال هذه ليلة النصف من شعبان إن الله عز وجل يطلع على عباده في ليلة النصف من شعبان فيغفر للمستغفرين ويرحم المسترحمين ويؤخر أهل الحقد كما هم رواه البيهقي

ان كل ما تقدم من اثار تنهض بمجموعها لتدل على ثبوت سنية الصيام والقيام في النصف من شعبان كعبادة مسنونة عن النبي صلى الله عليه وسلم سار على نهجها السلف الصالح وليست ببدعة مبتدعة كما تصور هذا ان اخذنا بمبدأ الابتداع وعدم وجود سنة حسنة او سيئة ووافقنا على مبدأ التخصيص بدون مخصص

ويكفينا في هذا الصدد قول صاحب تحفة الاحوذي وما ورد من أثار تعددت طرقها وتعددت متونها لتفيد معنى واحد وهو استحباب الصيام والقيام

فمن لم يسلم بهذه الاثار ولم يرى صحة العمل بها فليقصر ذلك على نفسه ولا يتهم غيره بالمجاهرة بالابتداع وتغير معالم الدين والخروج عن نهج السلف الصالح فقد تقدم من أقوال ذلك السلف ما يكفي ليكون دليلا واضحا على سنية كل من الصيام والقيام واما الضعف الذي ورد في الاحاديث فقد حكم احد ائمة الحديث بنهوض مجموعها للدلالة على تلك السنية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع 
الخطب الإلهامية فى شهر شعبان وليلة النصف 
لفضيلة الشيخ / فوزى محمد أبوزيد 
رسالة : شهر شعبان ماذا فيه 
للشيخ محمد علوى المالكى 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق