السبت، 21 أكتوبر 2017

موقف السلفية الوهابية الصريح من ابن حجر



وهو يعتمد على ما ذكره السلف الأول، ومن بعدهم من ابن تيمية وغيره.. بل ما ذكره شيخهم ومجددهم الكبير في هذا العصر الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتلاميذه.
وهو يستند إلى النصوص التي ذكرها ابن حجر في كتبه، وخاصة [فتح الباري]، ويرى أنه يطبق عليها كل ما طبقه سلف السلفية الأوائل على الجهمية والمدارس الكلامية.
ومن أمثلة هذا الموقف ما ذكره الشيخ إبراهيم بن رجا الشمري في كتابه [من مخالفات الخلف لما كان عليه السلف] الذي ينتقد فيه بشدة المنهج السلفي الخفي، أو التمييعي كما يسميه، ومن تلك الانتقادات الموقف من ابن حجر، والكيل معه بمكاييل مختلفة عن المكاييل التي يكيلون بها لسائر الناس.
وقد قال في ذلك ـ بعد أن أورد نصوصا للسلف في تكفير منكر العلو ـ: (فقارن –يا طالب الحق- بين أقوال أهل العلم في منكري العلو وبين صنيع ابن باز لما علق على قول ابن حجر في فتحه: (فيه الرد على من زعم أنه على العرش بذاته) فقال: ليس في الحديث المذكور رد على من أثبت استواء الرب على عرشه بذاته.. وكذلك لما وقف ابن باز على قول ابن حجر (لا يتوجه عليه –سبحانه- في وجوده أين وحيث) علق قائلا: (الصواب عند أهل السنة وصف لله بأنه في جهة العلو)،  ولما بلغه تأويل ابن حجر لصفة اليد قال في مجموعه: (اطلعت على ما ذكرتم في الرسالة المرفقة من جهة كلام الحافظ ابن حجر على قول عبد الله بن مسعود؛ والذي نفسي بيده.. إلخ؛ وأن المراد باليد القدرة وفهمته. ولا شك أنه كلام ناقص مخالف لما عليه أهل السنة والجماعة. والصواب: أن ما ورد في هذا من الأحاديث والآثار يراد به إثبات اليد والقدرة جميعا..)، ولا يخفى على ابن باز أيضا أن تأويل صفة اليد ونحوها من الصفات أنه من مسالك أهل البدع والزيغ فقد قال كما في مجموعه: (لا يجوز تأويل الصفات، ولا صرفها عن ظاهرها اللائق بالله، ولا تفويضها، بل هذا كله من اعتقاد أهل البدع..)، وقال أيضا: (إنما المؤولون هم الجهمية والمعتزلة، والأشاعرة في بعض الصفات، وأما أهل السنة والجماعة المعروفون بعقيدتهم النقية فإنهم لا يؤولون..)، وكذلك لما وقف على قول ابن حجر (لفظ الصوت مما يتوقف في إطلاق نسبته إلى الرب)، قال: (ليس الأمر كذلك بل إطلاق الصوت على كلام الله سبحانه قد ثبت..)، والحق أن من لم يثبت الصوت للباري فهو جهمي، كما قال عبد الرحمن بن حسن:قال الخلال: وحدثنا أبو بكر المروذي قال: سمعت أبا عبد الله، وقيل له: إن عبد الوهاب قد تكلم، وقال: (من زعم أن الله كلم موسى بلا صوت، فهو جهمي، عدو لله، وعدو للإسلام) فتبسم أبو عبد الله، وقال: (ما أحسن ما قال! عافاه الله)([301])
وهكذا أخذ ينكر عليه، ويدله على ما كتبه في كتبه أو كتبه سلفه في تكفير من وقع في نفس ما وقع فيه ابن حجر، ويدعوه إلى رعاية العدل، وعدم الشفقة على أهل البدع، قال: (ولا يخفى على ابن باز أيضا حكم من لم يثبت الصوت للباري وقال بالكلام النفسي، فقد أحال في رسالته (العقيدة الصحيحة وما يضادها) إلى السنة لللالكائي، وقد تقدم قول اللالكائي –رحمه الله تعالى- فيمن قال بالحكاية، وابن باز قد اطلع أيضا على شرح ابن حجر الذي قال فيه:(قوله ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: 54] هو من المتشابه الذي يفوض علمه إلى الله تعالى)، وقد قال عبد الرحمن بن حسن عمن ينكر حقيقة الاستواء: (قوله: (فليس فوقك شيء) نص في أنه تعالى فوق جميع المخلوقات؛ وهو الذي ورد عن الصحابة، والتابعين من المفسرين وغيرهم، في معنى قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى  [طه: 5] إن معنى استوى: استقر، وارتفع، وعلا، وكلها بمعنى واحد؛ لا ينكر هذا إلا جهمي زنديق، يحكم على الله وعلى أسمائه وصفاته بالتعطيل..)([302])
وقال: (وابن باز لا يخفى عليه حكم السلف في المفوضة، فقد قال في مجموعه: المفوضة قال أحمد فيهم: إنهم شر من الجهمية، والتفويض أن يقول القائل: الله أعلم بمعناها فقط وهذا لا يجوز؛ لأن معانيها معلومة عند العلماء. قال مالك رحمه الله: الاستواء معلوم والكيف مجهول)([303])
وقال: (ثم إن ابن باز لا يخفى عليه أن أهل السنة مجمعون على البراءة والتحذير من المؤولة، فقد قال في مجموعه: أما التأويل للصفات وصرفها عن ظاهرها فهو مذهب أهل البدع  من الجهمية والمعتزلة، ومن سار في ركابهم، وهو مذهب باطل أنكره أهل السنة والجماعة، وتبرؤوا منه، وحذروا من أهله)([304])
وقال ملخصا تناقضات ابن باز في تعامله مع ابن حجر: (والمقصود أنه مع علم ابن باز: بنفي ابن حجر العسقلاني لعلو الباري سبحانه.. وتأويله لصفة اليد..وتوقفه عن إثبات الصوت.. واطلاعه على قول ابن حجر بالتفويض..  ومعرفته بانتصار ابن حجر لقول أهل الإرجاء في الإيمان.. ومعرفته ببدع ابن حجر القبورية كقوله بالتبرك فقد رد عليه ذلك في تعقباته.. ومعرفته لميل ابن حجر لتحريف صفة المحبة والنزول فقد رد عليه ذلك أيضا في تعقباته.. ومعرفته تحريف ابن حجر لصفة الحياء فقد رد عليه ذلك في تعقباته.. مع هذا كله فقد قال هو ومن معه من أعضاء اللجنة: (موقفنا من أبي بكر الباقلاني والبيهقي وأبي الفرج بن الجوزي وأبي زكريا النووي وابن حجر وأمثالهم ممن تأول بعض صفات الله تعالى أو فوضوا في أصل معناها: أنهم في نظرنا من كبار علماء المسلمين الذين نفع الله الأمة بعلمهم فرحمهم الله رحمة واسعة وجزاهم عنا خير الجزاء، وأنهم من أهل السنة فيما وافقوا فيه الصحابة رضي الله عنهم وأئمة السلف في القرون الثلاثة التي شهد لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالخير وأنهم أخطؤوا فيما تأولوه من نصوص الصفات وخالفوا فيه سلف الأمة وأئمة السنة رحمهم الله تعالى سواء تأولوا الصفات الذاتية وصفات الأفعال أم بعض ذلك وبالله التوفيق)، فانظر –عافاك الله من البلاء- إلى قولهم عن نفاة العلو للعلي القهار: (من كبار علماء المسلمين الذين نفع الله الأمة بعلمهم فرحمهم الله رحمة واسعة)، واستحضر معه قول ابن سحمان في كشف الشبهتين: (فهذا التلطف والشفقة والرحمة لا يجوز أن يعامل بها من ينكر علو الله على خلقه، ويعطل أسماءه وصفاته، بل يعامل بالغلظة والشدة والمعاداة الظاهرة)، وبإسناده عن بعض السلف قال: (من أتى صاحب بدعة ليوقره فقد أعان على هدم الإسلام).. أما الجهمية.. فالرفق بهم، والشفقة عليهم، والإحسان، والتلطف، والصبر، والرحمة، والتبشير لهم، مما ينافي الإيمان، ويوقع في سخط الرحمن، لأن الحجة بلغتهم منذ أزمان.. أما جحد علو الله على خلقه، واستوائه على عرشه بذاته المقدسة على ما يليق بجلاله وعظمته، وأنه مباين لمخلوقاته، وكذلك نفي صفات كماله، ونعوت جلاله فهذا لا يشك مسلم في كفر من نفى ذلك، لأنه من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام، ومما فطر الله عليه جميع خلقه إلا من اجتالته الشياطين عن فطرته)([305])
وهكذا أخذ يذكره بأقوال سلفه من العلماء المحافظين من أمثال حمود التويجري الذي قال في (ذيل الصواعق): (لا ينبغي تسمية أعداء الله باسم العلماء لأن هذه التسمية لا تليق بهم ولا تطابق حالهم.. ومن المعلوم أن اسم العالم والعلماء من أعلى صفات المدح والتعظيم، وعلى هذا فلا ينبغي مدح أعداء الله ولا تسميتهم بأسماء المدح والتعظيم؛ لأن ذلك مما يغضب الرب تبارك وتعالى ويهتز له العرش)([306])
بل إنه أخذ يذكره بأقواله التي يكفر فيها من وقع في نفس ما وقع فيه ابن حجر، فقال: (واعلم يا من تريد معرفة الحق أن ابن باز لا يخفى عليه أن نفي العلو كفر وردة، فقد قال في شرحه للحموية: (من أنكر أن الله في السماء أو أن الله فوق العرش فقد كفر..هذا إجماع أهل السنة والجماعة).. وقال في شرحه لكشف الشبهات: (الحاصل أن الإنسان إذا أتى بكفر قولي أو فعلي أو قلبي من شك ونحوه كفر حتى لو قال أنا أشهد أن لا إله إلا الله لكن عندي شك هل الجنة حق.. أو شك في أن الله في السماء أو فوق العرش أو ما هو فوق العرش يكفر لأنه مكذب لله ولرسوله)، وقال أيضا في فتوى صوتية له لما سئل عن: حكم من خدم السنة وشرح كتب السنة، لكنه أنكر صفة من صفات الله كالعلو؟ فقال ابن باز: هذا مكذب بالقرآن! من يقل إن الله في كل مكان فهو يكذب بالقرآن، الله تعالى يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى  [طه: 5] هذا مكذب بالقرآن. ثم سئل: هل يكفر بعينه؟ فقال: ما فيه شك! بعينه)([307])
وهكذا أخذ يذكره بما يقتضيه الولاء والبراء من مواقف، فقال: (وابن باز لا يخفى عليه أن الرجل لا يصير سنيا حتى يعتقد السنة ويتبرأ ممن خالفها من الفرق، فقد قال كما في فتوى له ولمن معه في اللجنة: (من كان يدعو إلى كتاب الله تعالى وإلى ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الأحاديث ويعمل بذلك في نفسه، وينكر ما خالف ذلك ويجتهد في إزالة ما أحدث من البدع، ويتعاون مع أهل السنة ويواليهم ويعادي أهل البدع وينكر عليهم ما ابتدعوه في الإسلام على بينة وبصيرة - فهو من أهل السنة والجماعة)، ومع هذا كله فابن حجر عنده وعند أصحابه (من كبار علماء المسلمين الذين نفع الله الأمة بعلمهم فرحمهم الله رحمة واسعة)([308])
ثم ختم حديثه في الرد على موقف ابن باز من ابن حجر بقوله: (ومن نظر إلى الفتوى السابقة بعين الإنصاف مع علمه بما كان عليه السلف الصالح عرف مباينة القوم لطريقة الأولين وسلوكهم لمنهج محدث جديد في الحكم على أصحاب البدع الكبرى المخالفين بين السلف والخلف)([309])


لكتاب: معجزات علمية
المؤلف: د. نور الدين أبو لحية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق