Sheikh Fawzy Mohamed Abuzeid

Loading...

الخميس، 2 مايو 2013

نقد كتاب التحف فى مذهب السلف



المقتطف في نقد مواضع من كتاب التحف في مذاهب السلف تأليف سعيد فودة

بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله والصلاة، والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، ومَن والاه واتبعه بإحسان إلى يوم الدين:
أما بعد
فهذه تعليقات كتبتها على عجل على الرسالة الموسومة برسالة التحف في مذاهب السلف للشيخ محمد بن علي الشوكاني. علقت فيها على بعض المواضع في هذه الرسالة بيانا للحق، وإرشادا لمن ينظر فيها، كي لا يغتر ببعض التهويلات الموجودة فيها، ولا يتابع بعض كلمات تخلو من دقة، ولا ينجرف وراء إنسان من دون تحقيق.
إشكالية طريق السلف والخلف
قال الشوكاني:”ومع هذا فهم متفقون فيما بينهم على أن طريق السلف أسلم، ولكن زعموا أن طريق الخلف أعلم. فكان غاية ما ظفروا به من هذه الأعلمية لطريق الخلف أن تمنى محققوهم وأذكياؤهم في آخر أمرهم دين العجائز، وقالوا هنيئا للعامة.” انتهى كلامه.
وذكر بعد ذلك كلاما طويلا مبنيا على هذه الجملة، فلم نحتج إلى إيراده لعدم وجود زيادة فائدة فيه. وأما الجملة السابقة فالكلام فيها على أمرين الأول على معنى العبارة الشائعة “طريق السلف أسلم وطريق الخلف أعلم”. والثاني على ما ذكره من أن بعض المحققين تمنوا الموت على عقيدة العجائز، فنبدأ بالكلام على القسم الأول.
قال العلامة المحقق جلال الدين المحلي في شرحه على جمع الجوامع( [1]):”(وما صح في الكتاب والسنة من الصفات نعتقد ظاهر المعنى)منه(وننزه عند سماع المشكل) منه كما في قوله تعالى [الرحمن على العرش استوى]،[ويبقى وجه ربك]،[ولتصنع على عيني]،[يد الله فوق أيديهم]، وقوله صلى الله عليه وسلم[إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه كيف يشاء]،[إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها] رواهما مسلم. (ثم اختلف أئمتنا أنؤول) المشكل ( أم نفوِّض) معناه المراد إليه تعالى (منزهين) له عن ظاهره (مع اتفاقهم على أن جهلنا بتفصيله لا يقدح) في اعتقادنا المراد منه مجملا، والتفويض مذهب السلف وهو أسلم، والتأويل مذهب الخلف وهو أعلم، أي أحوج إلى مزيد علمٍ.”اهـ.
قال العطار في حاشيته عليه( [2]):”قوله أي أحوج:وليس المراد أن الخلف أعلم من السلف”.اهـ
هذا هو أحد المعاني المرادة من هذه العبارة، وذكر الشيخ علي الصعيدي العدوي المالكي في حاشيته على شرح الرسالة معنى آخر فقال نقلا عن العلامة ابن أبي
__________________________________________
( [1] ) حاشية العلامة عطار على شرح المحقق جلال الدين المحلي على جمع الجوامع في أصول الفقه للإمام تاج الدين السبكي (2/461).
( [2] ) حاشية العطار على شرح جمع الجوامع (2/461).
شريف( [3]):”ومذهب السلف أسلم فهو أولى بالاتباع كما قال بعض المحققين، ويكفيك على أنه أولى بالاتباع ذهاب الأئمة الأربعة إليه، وأما طريقة الخلف فهي أحكم بمعنى أكثر إحكاما أي إتقانا لما فيها من إزالة الشبه عن الأفهام. وبعضٌ عبَّر بأعلم بدل أحكم بمعنى أن معها زيادة علم لبيان المعنى التفصيلي.”اهـ
ولي هنا تعليق على هذا الكلام: فعندما يقول العلماء إن التفويض هو مذهب السلف والتأويل هو مذهب الخلف، فلا يعني ذلك أنه لم يوجد واحد من أهل القرون الثلاثة أوَّلَ، بل يعني إنهم كانوا على الإجمال يتبعون طريقة التفويض لا بالكلية، بدليل ما ورد عن بعضهم أنه أول بعض الآيات والنصوص. وكذا فيما يتعلق بالخلف فلا يلزم من القول بأن مذهبهم التأويل أنهم كلهم أولوا، بل كانت سمتهم الغالبة أو الظاهرة هي التأويل، مع وجود من لا يستهان به اتخذ طريق التفويض. هكذا يجب أن نفهم هذه الكلمة.
أما ما ذكره الشوكاني من كلامه فأوهم القارئ بأن الخلف يدعون أنهم أعلم من السلف على العموم، وهذا لا يدعيه عاقل، فالمعلوم أن السلف وهم الصحابة والتابعون برزوا في فهم الشريعة، وأنهم هم الذين فتحوا أبواب العلوم لمن بعدهم، وكما قال بعض العلماء عن الإمام مسلم:لولا البخاري لما راح مسلم ولا جاء. فكذلك نقول عن السلف والخلف. هذا مع ملاحظة إمكان فهم شيء لم يفهمه السلف أو بالأصح لم يهتموا كثيرا بتدقيقه وتنقيحه لعدم احتياجهم إلى ذلك، فلما احتاج الخلف إليه حققوا المعاني وبينوها، وليس في هذا إثبات أن الخلف أعلم من السلف أو أنهم أحكم بل المراد قطعا أن اختلاف الأوقات والأزمان لا ينكر أثره على اختلاف أسلوب العرض مِنَ التفصيل والإجمال تبعا لحاجة القوم لما يواجههم من المشاكل. فزمن الصحابة يختلف من حيث المشاكل التي تحتاج إلى حلٍّ ونظر عن زمان من تبعهم بقرون وهكذا، فلا شك أن تختلف أساليب العلماء في مواجهة المسائل والإشكالات. ومَن ينكر هذا فإنما يخالف الضروريات.
____________________________
( [3] ) حاشية على (كفاية الطالب الرباني لرسالة ابن أبي زيد القيرواني)، تأليف الشيخ علي الصعيدي العدوي المالكي. طباعة مصطفى البابي عام 1357هـ-1938م.
وبناءا على هذا نقول: الصحابة والتابعون لم تكن الإستشكالات في زمانهم كثيرة في أمور العقائد والتوحيد، ولذا اعتمدوا الطريق الإجمالي وهو طريق التفويض، ولم يحرموا التأويل، بدليل وروده عنهم، وذلك أنه لم يخلُ ذلك الزمان من ورود إشكال على لسان مشكك أو منحرف أو عامي صعب عليه فَهْمُ أَمْرٍ فاحتاجوا للتفصيل في ذلك، فأوَّلوا. ولما كانت الإيرادات والتشكيكات الواردة عليهم قليلة، كان ما ورد عنهم من التأويل قليلا نسبيا، فلما ازدادت الإشكالات وبرزت الأفهام الفاسدة بعد هذا بأزمان، احتاج العلماء وحفاظا على الشريعة وقياما بواجبهم الذي كلفهم الله تعالى به، إلى الكلام التفصيلي على بعض النصوص الواردة، وذلك ليحفظوا عقائد القوم، وبينوا الحق من الباطل.
وكما رأينا فالخلف عندما أطلقوا هذه الكلمة لم يريدوا إثبات أنهم أعلم من السلف بل أرادوا إن طريقتهم تحتاج إلى مزيد من العلم، أو أنها أضبط في الرد على المشككين والزائغين، وليس في هذا ما يُنْتَقَدون عليه، بل هذا هو الحق الذي عليه البرهان، وحتى لو أنكره معاند بالكلام لقام به فعله بالحال، فكثير من الذين انتقدوا كلمة الخلف هذه وطريقتهم، اضطروا إليها لما نهضوا للرد على المبتدعة في نظرهم ففصلوا كما فصل الخلف، وقاموا بما ذموه أولا.
وههنا ننقل كلاما مفيدا لابن خليفة عليوي، يدور حول هذا المعنى، قال( [4]):
بيان من هم السلف ومن هم الخلف، وهل هم متفقون في الصفات أو مختلفون؟
لندع بادئ ذي بدء الشيخ إبراهيم البيجوري يعطنا فكرة ما عن الخلف والسلف لعلنا بعد ذلك نستطيع الوقوف على حقيقتهم، وذلك من أقوال العلماء شيئا فشيئا، ثم نستمسك بما كانوا عليه، جاء في شرح جوهرة التوحيد البيت التالي
وكلَّ نصٍّ أوْهَمَ التشبيها أوِّلْهُ أو فوِّض ورُمْ تنزيها
___________________________
( [4] ) كتاب هذه عقيدة السلف والخلف في ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله، ص101.
قال الشيخ البيجوري: قوله(وكل نص..) المراد بالنص هنا ما قابل القياس والاستنباط والإجماع وهو الدليل من الكتاب أو السنة، سواء كان صريحا أو ظاهرا، وليس المراد به ما قابل الظاهر وهو ما أفاد معنى لا يحتمل غيره، إذ لو كان هذا هو المراد لم يمكن تأويله. وقوله(أوهم التشبيها) أي أوقع في الفهم صحة القول به بحسب ظاهره، فبعد هذا التأويل فوض المراد من النص الموهم إليه تعالى، على طريق السلف، وهم من كانوا قبل القرون الثلاثة الأولى،الصحابة والتابعون وأتباع التابعين، ثم قال البيجوري كلمته التي لا يرضى بها السلفيون المعاصرون وهي: وطريقة الخلف أعلم وأحكم لما فيها من مزيد الإيضاح والرد على الخصوم، وهي الأرجح.
قلت:إنه لا ينبغي للسلفية أن يفهموا أن معنى الأرجحية تفضيل مذهب الخلف على مذهب السلف، إنما الواجب أن يفهموا أن الأرجحية من حيث الرد على الخصوم المجسمة والرافضة والجهمية والكرامية والحشوية والكلابية وغيرها من الفرق الضالة، هذا هو وجه أرجحيتها أو بعبارة أخرى: لولا كثرة المبتدعين في عصورهم لما اختاروا جزما إلا مذهب السلف بدليل قوله (أوله أو فوض ورم تنزيها) أي قدم التأويل، وقال: إنه أرجح لمقارعة المتكلم بالكلام. ثم قال البيجوري:”وطريقة السلف أسلم لما فيها من السلامة من تعيين معنى قد يكون غير مراد له تعالى”.اهـ، ومما لا شك فيه أن في ذلك خطرا عظيما. وقوله ورم تنزيها أي واقصد تنزيها له تعالى عما لا يليق به مع تفويض علم المراد . ثم قال” فظهر بما قررناه اتفاق السلف والخلف على التأويل الإجمالي، لأنهم يصرفون النص الموهم عن ظاهره المحال لله تعالى”.اهـ. وبهذا يتضح لنا جليا أن الصحابة الكرام قد صرفوا اللفظ الموهم للتجسيم إلى معنى آخر، وأوَّلوا، وعليه يجتمع شمل السلف والخلف على سبيل واحد، وهو التنزيه عن التشبيه. اهـ
وذكر بعد هذا بعض النقول عن السلف يؤولون فيها بعض النصوص، لا حاجة لنا إلى ذكرها لما أنها معلومة.
وبهذا ظهر ما في كلام الشوكاني من أغلاط ومبالغات لا داعي لها خصوصا في هذا الموضوع الذي يلزم المتكلم فيه الدقة والإخبار عن الواقع بلازيادة ولا نقصان، لما يترتب على ذلك من مفاسد في عقول الناس، وما يلزم عنه من تعصبات لغير الحق.
ويظهر مما مضى أن السلف والخلف على منهج واحد، وأنهم على الحق سائرون، ولهدي القرآن متبعون، ولا يجوز لواحد أن يقول إن الخلف ليسوا مقتدين بالسلف، ويتمسك في هذا بأوهام لا أساس لها من الصحة. وأنا أجزم أن كل من يقول بهذا فإنما يقوله لتعصبه أولا لما نشأ عليه، ولجهله ثانيا بحقيقة أقوالهم.
وبهذا انتهى الكلام على ما في الشق الأول من كلام الشوكاني. وأما القسم الثاني فهو ينبني على الشق الأول منه، فهو لم ينطق به إلا لأنه تصور أن الخلف يناقضون السلف، وبالتالي كان عنده أمراً طبيعيا أن يبقى هؤلاء الخلف في حيرتهم التي يزعمها هو وأمثاله، حتى ينطقوا بكلمات يفضلون فيها ما عليه العجائز على ما علموه هم وأفنوا فيه أعمارهم، وكان من الطبيعي أن يتصور هو وأمثاله أن يتبرأ الأذكياء من الخلف مما يقولون، مستنبطا ذلك كله من كلمات لا تدل على ذلك، إلا مَنْ في قلبه وهم أو مرض.
ومن هذه الكلمات ما نقل عن الفخر الرازي:اللهم إيمانا كإيمان العجائز، وغيرها مما ينقلونه عن الأكابر. ويستنبطون منه أنهم يتخلون عما كانوا عليه.
فأقول الجواب على هذا من وجوه:
إذا جاز لك أن تستنبط من هذا الكلام أن الرازي تخلى عن ما يعتقد أو شك فيه فماذا تقول في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:”والله لا أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي ولا بكم”. فهل نستنتج من هذا كما قال بعض الجهلة:فهذا الحديث صريح في أنه كان لا يعلم أمر خاتمته في حال حياته. انتهى كلام ذلك الجاهل. وهذا لا يدري أنه إذا صح هذا فيلزمه أن الرسول يشك في صدق الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، وكيف يكون هذا صحيحا أي كيف يقال أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يعلم أمر خاتمته وقد قال الله تعالى(ليغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر) وقوله (عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا) وقوله(ولسوف يعطيك ربك فترضى)وقوله(إنا أعطيناك الكوثر). فهل يجوز أن نأخذ بما نتوهمه من الحديث المذكور أم يجب علينا أن نفهمه بما يتناسب وحال الرسول عليه السلام.
ماذا تقول في قول أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه : (لو كانت إحدى قدمي في الجنة والأخرى خارجها لما أمنت مكر الله) هل تقول إنه كان يشك في وعد الله تعالى بأنه من أهل الجنة، كما ذكره له رسول الله صلى الله عليه وسلم. فيلزمك نسبة الكفر إليه وهو من هو.
وأيضا فما تقول في عمر لما علم أن الرسول أخبر بعض الصحابة بأسماء المنافقين فجعل عمر يسأل ذلك الصحابي:هل أنا منهم. فهل تقول إن عمر رضي الله عنه كان يشك في إيمانه، فيلزمك تكفيره، أم إنه يشك في وعد الله على لسان الرسول عليه السلام له بأنه من المبشرين بالجنة، فيلزمك أيضا تكفيره.
وغير هذا كثير.
فهل يكون النظر في كلمات هؤلاء القوم هكذا، وبهذه الطريقة الفجَّة، أم يجب علينا أن نفهمها كما يليق بأحوالهم العالية من الإيمان والعلم والخوف من الله تعالى.
فكذلك كلام الإمام الرازي رحمه الله تعالى لا يجوز لك أن تحمله على أنه يشك في ما كان عليه طوال حياته، وكذا غيره، بل الأصل أن نحمل ذلك على ما يليق بحاله وحال أمثاله من شدة الخوف من الله تعالى، لا سيما إذا قلنا إنه نطق بهذه الكلمة عند موته، فالإنسان يكون في غاية الصعوبة في ذلك الموقف، وقد يحس بأمور ينطق عندها بهذا الكلام، وهذا منه غاية التوكل على الله تعالى، فهو رحمه الله لا يريد أن يقول إنني بعلمي وقوتي أنجو من العذاب وذلك لشدة معرفته بالله تعالى، بل قال إنني لا أنجو بشيء من ذلك، بل بما تنجو به عجائز ذلك الزمان من الإيمان الجازم المجرد عن الأدلة والتطويلات والترتيبات وما هذا إلا رحمة الله تعالى، وفي هذا نهاية الخضوع منه لله تعالى، ولا يجوز لنا أن نقول أنه شكٌّ منه بما كان عليه من حال. وذلك أنه أملى عقيدته وهو على فراش الموت على طلابه، وهي لا تختلف عما كان عليه خلال حياته. فالرازي رحمه الله تعالى يجرد نفسه في ذلك الموقف من كل الأسلحة التي اكتسبها خلال حياته، وذلك حتى يكون في حال لا يلتفت فيها إلى شيء إلا إلى الله تعالى، حتى لا تصرفه الوسائل المخلوقة عن خالق هذه الوسائل. وذلك لا يعني أن الإنسان لا يجوز له أن يعتمد على عقله في ذلك الموقف، ودليل هذا إن الرسول عليه السلام لما أخبر عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن سؤال القبر وما يلاقي فيه الإنسان من أهوال، قال له عمر: أيكون عقلي معي. قال نعم. فقال إذن أكفيكهما. يقصد الملكين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن عمر لموقن مصدق. قال الشيخ عليش( [5]): “فانظر إلى وثوقه رضي الله عنه بنظر عقله وعدم اكتراثه بمناظرة مَنْ عِلْمُهُ مُرْتَقٍ من علم اليقين إلى عين اليقين وهم الملائكة، ولم يخف أن يشغل فكره هول منظرهما ولا فظاعة القبر الذي هو أول منزل من منازل الآخرة، وهل تصدر هذه المقالة إلا ممن مزجت معرفة الله سبحانه وتعالى بلحمه ودمه حتى تلاشى عنده كل ما سواه، ولم يخف غير الله سبحانه وتعالى”. اهـ
هكذا يجب أن نفهم كلام هؤلاء الأعلام، ولكلامهم هذا معان أخرى تصب في نفس الباب استغنينا عن ذكرها بما مضى. ولا يجوز أن نتصيد منهم كلماتٍ نطقوا بها في أحوال معينة لنحتج بها على ما نريد مما يخالف مرادهم هم، فإن هذا ليس يفعله مَن يريد الحق بل من يريد إثبات أمور هو يرغب بها بأي وسيلة كانت ولو خاطئة.
وهذا الكلام كله على احتمال أن يكون الرازي نطق بهذه الكلمات عند موته، ولكن قد ذكر بعض الأفاضل أن الرازي نطق بها في مقام آخر وذلك أنه في أثناء تدريسه للطلاب قال عندي ألف دليل ودليل على وجود الله، فبلغ هذا الكلام إلى بعض العجائز فقالت: لو لم يكن عنده ألف شك وشك لما احتاج إلى ألف دليل ودليل. فقال الرازي عند ذاك: اللهم إيمانا كإيمان العجائز. وعلى هذا يكون لا حجة للشوكاني وغيره بهذه الكلمة.
____________________________________
( [5] ) شرح الشيخ عليش على عقيدة التوحيد وهي العقائد الكبرى للإمام السنوسي.
وقال الشيخ عليش( [6]):”علما السنة رضي الله سبحانه وتعالى عنهم إنما ألفوا في علم التوحيد ليبينوا للناس ما كان عليه السلف الصالح وصار لشهرته ووضوحه قبل ظهور البدع دينا لعجائزهم ودراساتهم وأهل باديتهم وصبيان مكاتبهم وزادوا بأن حصنوه بالبراهين العقلية التي تنتهي إلى ضرورة العقل بحيث يخرج منكرها عن ديوان العقلاء وبالأدلة النقلية القطعية فيما تقبل فيه منهم رضي الله سبحانه وتعالى عنهم، فجعلوا على حرز دين الإسلام أسواراًلما قدمت جيوش المبتدعة التي لا تحصى كثرة تريد انسلاب ذلك الدين وأبداله بجهالات يهلك من اتبعها ثم لما قدمت المبتدعة بمعاول الشبهات لتهدم بها أسوار الأدلة وسلالم الأوهام والتخيلات لتتجاوز بها إلى حرز الدين، بالغت العلماءرضي الله سبحانه وتعالى عنهم في الاحتياط للدين ونظرت بعين الرحمة لجميع المسلمين فأفسدت عليهم تلك الشبهات ونسخت لهم تلك الأوهام والتخيلات بأجوبة قاطعة لا يجد العاقل عن الإذعان إليها سبيلا وأنفقوا رضي الله سبحانه وتعالى عنهم في جميع ذلك الذخائر التي حصلت لهم من الكتاب والسنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتجاسر عليه أحد يروم الاختلاس منه وإنما تجاسر من تجاسر من تجاسر عند غيبته صلى الله عليه وسلم لكنه لم يمت صلى الله عليه وسلم حتى ورث علماء أمته وأهل سنته من المعارف ما يدفعون به كل عدو يريد الاختلاس من دينهم
أحلَّ أمته في حرز ملته كالليث حلَّ مع الأشبال في أجم
فحين قام الأعداء بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم لهدم حصن الدين أنفقوا في تحصينه أعظم تحصين تلك الذخائر التي ورثوها واستعملوا آلات عقولهم في وجوه إنفاقها ولم تزل أرباح تلك الذخائر من زيادة المعارف تتوالى عليهم وينفقونها عند الاحتياج إليها فهذا حال علماء السنة الذين تكلموا في علم التوحيد وألفوا فيه التآليف جزاهم الله سبحانه وتعالى بفضله أفضل جزاء.
_________________________
( [6] ) شرح السنوسية الكبرى، ص11.
فبالله أيها المقلد الذي استدل بما لم يحط به علما من كان يقف لرد أهل البدع حين خاضوا مع كثرتهم وعظيم احتيالهم في شبهاتهم ولهم المنزلة في الدنيا التي يتمكنون بها من سوق الناس إلى أغراضهم، لولا ما نهض لهم رجال الله سبحانه وتعالى من العلماء الراسخين وأي دين يبقى لعجوز أو صبي أو مقلد لاولا بركة أولئك العلماء رضي الله سبحانه وتعالى عنهم، وأي جهاد يوازي جهاد هؤلاء وأي رباط يماثل رباطهم وعكوفهم على استعمال عقولهم وتحبيسها مدة حياتهم على الجَوَلان فيما يحفظ دين الإسلام، فمهما لاح لهم مختلس يريد شيئا من الدين قابلوه بشهاب من نيران البراهين فردوه خاسئا فلا يتقلب إلا بأعظم فضيحة فضيحة وأين جهاد السيوف ورباط الثغور اللذين غايتهما حفظ النفوس والأموال اللذين لا بد نم فراقهما في الدنيا من هذا الجهاد والرباط لحفظ الدين الذي لو ذهب لهلك الناس في عذاب جهنم أبد الآبدين.”اهـ
وهذا الكلام لا يقدر بالذهب لو عُقِلَ.
وبهذا يبين لك مدى الانحراف في فهم كلام العلماء، ويظهر ما في كلام الشوكاني من ضعف.
حول الصفات
قال الشوكاني: “وبهذا الكلام القليل الذي ذكرنا تعرف أن مذهب السلف من الصحابة رضي الله عنهم والتابعين وتابعيهم هو إيراد أدلة الصفات على ظاهرها من دون تحريف لها ولا تأويل متعسف لشيء منها ولا جبر ولا تشبيه ولا تعطيل يفضي إليه كثير من التأويل، وكانوا إذا سأل سائل عن شيء من الصفات تلوا عليه الدليل وأمسكوا عن القال والقيل، وقالوا: قال الله هكذا ولا ندري بما سوى ذلك، ولا نتكلف ولا نتكلم بما لم نعلمه ولا أذن الله لنا بمجاوزته، فإن أراد السائل أن يظفر منهم بزيادة على الظاهر زجروه عن الخوض فيما لا يعنيه ونهوه عن طلب ما لا يمكن الوصول إليه إلا بالوقوع في بدعة من البدع التي هي غير ما هم عليه ما حفظوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وحفظه التابعون عن الصحابة وحفظه من بعد التابعين عن التابعين”. اهـ
أقول: كلامه هذا حسن على وجه الإجمال، إلا موضعين من معانيه نتكلم عليهم فيما يلي، وقبل هذا نقدم مقدمة مختصرة في توكيد معنى مذهب السلف، فنقول زيادة على ما ذكرناه في التعليق السابق، كان السلف في الغالب من أحوالهم يكتفون بإيراد هذه النصوص التي يقع الكلام فيها على مواردها، فكانوا يتلونها كما جاءت من دون تفسير تفصيلي لمعانيها، بل يكتفون بالمعنى الإجمالي المفهوم منها لأي إنسان، فكانوا يكتفون من قوله تعالى(يد الله فوق أيديهم)بأن الله معهم ويعينهم بقدرته ولم يقل أحد من الصحابة: إن هذه الآية دليل على أن لله تعالى يدا. فليس هذا هو الظاهر من المعنى المراد من الآية، بل الظاهر منها أن الله يوفقهم إن هم أطاعوه. فكانوا يمرون على هذا المعنى ولا يتجاوزون وراءه، هذا ما كان عليه السلف، وهذا هو الواجب على كل مسلم. وكذا في باقي الآيات والأحاديث. فَفَرْقٌ بين قوله تعالى (يد الله فوق أيديهم) وبين قولهم لله يدٌ، وهذا ظاهر. ثم كان السلف يمرون على هذه النصوص كما وردت مع تنزيه الله تعالى عن مشابهة أحد من خلقه في شيء من صفاته.
هذه هي المقدمة، وأما الموضعان اللذان سنتكلم عليهما
فالأول: قوله: إيراد أدلة الصفات على ظاهرها.
فأقول:هذا كلام قد يبدو بيِّنَ المعنى، ولكنه حقيقة لا ينكشف إلا إذا فهمنا المراد من قوله الظاهر، فما معنى كلمة “ظاهرها” في كلامه. قد يُفْهَمُ من كلامه أن المراد هو إمرارها كما جاءت بلا تغيير فيها، فمثلا نحن نعلم أن قوله تعالى (الرحمن على العرش استوى) دليل على أمر ما، وعلى حسب كلام الشوكاني فالمفروض أن السلف يُمِرُّون هذا الدليل كما جاء بلا تحريف ولا تأويل إلى آخر ما ذكر. وهذا المعنى إذا كان هو المراد فهو صحيح. فلم يكن السلف يقولون المراد من الاستواء هنا الجلوس ولا غير الجلوس، لم يكونوا يتكلمون بهذا التفصيل( [7])، أو على الأقل لم يَرِد عنهم نحو هذا التفصيل، وهذا ولكننا نقطع أنهم قد نفوا عن الله تعالى جميع صفات التجسيم إجمالا وبشكل كُلِّيٍّ ونزهوه تماما عن أن يكون شبيها بالخلق، ونفي التشبيه ثابت بالكتاب والسنة أما الكتاب فكمثل قوله تعالى(ليس كمثله شيء) وقوله تعالى(ولم يكن له كفوا أحد)، وأما السنة فكقوله صلى الله عليه وسلم (ولم يكن له شبه ولا عدل) وتوجد نصوص كثيرة أيضا في هذا المعنى نقلناه بشيء من التفصيل في شرحنا على العقيدة الطحاوية.
____________________________
( [7] ) نقصد بهذا أنه لم ترد عنهم رضي الله عنهم أي عبارة تفصيلية ينفون فيها الجلوس عن الله تعالى، أو ينفون الجهة كذلك، ولم يرد قول عنهم أيضا يثبت ذلك،
المعنى الذي هو الجلوس باطل، فتنبه، ولكنا أوردناه هنا للتنبيه على مذهب المجسمة والمشبهة، هذا هو المعنى الأول.
أما المعنى المحتمل الثاني، فهو أن أغلب المعاني المرادة لكلمة (استوى على الشيء) فيما بيننا أي المخلوقات تدل على الجلوس، هكذا يزعم بعض الناس وكلامهم فيه نظر بل هو باطل، بينت بطلانه في تعليقي على كلام ابن عبد البر في التمهيد( [8])، قالوا: فلما كنا __________________________________
( [8] ) وقد بينت هناك أن المعنى الحقيقي لكلمة استوى هو (تمَّ)، والشيء التام هو الآتي بعد كلمة استوى وتدل عليه القرائن من خلال السياق والسباق، فإذا قلنا :”جلس الرجل على الكرسي، ثم قام”، علمنا أن المراد هنا هو أن جلوسه على الكرسي تمَّ أي اتخذ الرجل في قعوده أتم هيئة واطمأن فيها، قم بعد ذلك قام ونهض. وإذا سمعنا قوله تعالى(استوى على العرش يدبر الأمر)، فإن المعنى المراد من هذه الآية يكون أن الله تعالى بعد أن خلق السموات والأرض، كما هو مذكور في أول الآية، تم تدبيره لها، فالاستواء هنا أضيف إلى التدبير، فيصير المعنى تمام التدبير، ولا يوجد هنا أو في أي موضع آخر في آيات القرآن الكريم أي قرينة تدل على الجلوس كما يدعي المجسمة والمشبهة، فالاستواء هو التمام، وقد تم تدبير الله تعالى لمخلوقاته بعد خلقها لا قبل ذلك لأنها لم تكن موجودة. ولأن معنى الاستواء هو التمام فإننا نقول: جلس الرجل ثم استوى في جلوسه، وتكون هذه العبارة تامة مفيدة لا تكرار فيها، فالجلوس قد يكون بلا تمام وقد يكون بها، فلذلك لما قيدنا مطلق الجلوس بالاستواء فهمنا هنا إرادة تمام وكمال الجلوس، وعلى هذا المقياس تفهم الآيات الكريمة. وقد بينتُ ذلك بشيء من التفصيل في تعليقاتي على كلام ابن عبد البر في التمهيد.
نستعمله في هذا المعنى أي معنى الجلوس، صار هذا المعنى هو الظاهر من هذا اللفظ إذا نسب أطلق اللفظ في حق الله تعالى فيكون الجلوس والاستقرار على العرش ثابتا لله. فإذا كان المقصود بالظاهر نحو هذا المعنى، فأقول:
هذا المعنى باطل قطعا لأنه يستلزم التشبيه بل هو التشبيه بعينه، فإن المعنى الذي ننسبه إلى أنفسنا إذا كان هو نفس المعنى المنسوب إلى الله تعالى، فهو تعالى وتنزه عن ذلك شبيهنا في هذا المعنى، وكونه كذلك باطل كما هو معلوم بضرورة العقل والشريعة. ويشبه أن يكون هذا المعنى هو ما يريده الشوكاني، فمثلا قد قال في موضع آخر واصفا مذهب السلف على حسب ادعائه:”يقولون نحن نثبت ما أثبته الله لنفسه من استوائه على عرشه على هيئة لا يعلمها إلا هو وكيفية لا يدري بها سواه، ولا نكلف أنفسنا غير هذا، فليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا تحيط به عباده علما”.اهـ فكلامه هذا لا يقوله إلا من بناه على المعنى المتقدم ذكره، وإن قال بعد هذا (فليس كمثله شيء…الخ) لأن قوله إن الله استوى على هيئة لا يعلمها إلا هو، إن هو إلا افتراء مبني على تصور أن الله جالس لكن لا نعرف على أي هيئة جلس، ولو كان الأمر كذلك أي لو كان الأمر أن الله جالس لكن لاندري هيئة جلوسه، لما كان هناك داع لتبديع السائل عن الكيفية، ولكن المشكلة عند السلف هي إثبات نفس الهيئة، لأن إثبات الهيئة التي هي الكيف ذاته، يستلزم التشبيه بل هو مبني على التشبيه كما ذكرنا، ولذا قال الإمام مالك: لا يقال كيف؟ وكيف عنه مرفوع( [9])، وقالت أم سلمة رضي الله عنها: والكيف غير معقول.
_________________________________
( [9] ) الإمام مالك لا يجوز أن يقال على الله تعالى كيف؟ لأن هذا سؤال، والسؤال عن الشيء يستلزم إثباته، والأصل أن الكيف غير ثابت لله تعالى بل هو منفي عنه تعالى، ولذلك قال الإمام مالك في بقية عبارته :”وكيف عنه مرفوع”، ومعنى مرفوع أي منفي، ومسلوب، وهذا هو التنزيه الذي يدعو العلماء إليه، والوقوف إلى هذا الحد هو عين مذهب التفويض، وعبارة الإمام مالك توافق ما نقل عن أم سلمة رضي الله عنها. وهذا المعنى يخالف تماما ما يدعيه ابن تيمية وأنصاره كالشوكاني من القول بأن أصل الكيف ثابت والشوكاني يدعوه هنا بالهيئة أيضا، ولكن صفته وصورته غير معروفة. فهذا فيه عدم رفع الكيف، فالكيف عندهم غير مرفوع بل هو ثابت، والبحث عندهم إنما يكون في تفصيل هذا الكيف، أما الإمام مالك والمتقدمون من علماء السلف فأصل الكيف عندهم منفي قطعا. وهذا ما يقول به علماء السادة الأشاعرة فهم ينفون قولا واحدا الكيف عن الله تعالى، والصورة، والهيئة، خلافا للمجسمة ممن يثبت ذلك كله.
فذات الكيف غير معقول، أي غير معقول إثباته، والشوكاني جعل أصل الكيف معقولا، ولكن وصفه غير مُدْرَكٍ، فليس واقعا تحت الحواس، وهذا هو الباطل بعينه. ثم إن هذا الكلام من الشوكاني الذي هو إثبات الهيئة والقول بعدم معرفتها هو خلاف ما سبق ونسبه إلى منهج السلف من أنهم يُمِرُّون هذه النصوص ولا يتكلمون فيها، فها هو ذا قد تكلم، ثم هو تكلم بكلام فيه تشبيه، ولعمر الله لا أدري إن لم يكن هذا تشبيها فما هو التشبيه.؟!
ثم قال بعد كلامه السابق عن السلف: وهكذا يقولون في مسألة الجهة.اهـ. يقصد إنهم يثبتونها وقال في موضع آخر: فالاستواء على العرش والكون في تلك الجهة قد صرح به القرآن الكريم في مواطن يكثر حصرها ويطول نشرها.اهـ ، وهذا فيه إثبات الجهة بكلام صريح، فماذا يكون هذا الكلام إذا لم يكن خوضا في النصوص وتشبيها لله تعالى بخلقه، أقصد إن إثبات كون الله تعالى في جهة، هو عين التشبيه، ثم أين هي تلك النصوص التي يمتلئ بها القرآن الكريم والتي تصرح بالجهة، نحن نتحدى الشوكاني وغيره أن يأتينا بنص واحد فيه إثبات الجهة في الكتاب أو السنة. وكيف لم ترد الجهة في القرآن منسوبة إلى الله تعالى، ولا في السنة كذلك ولا وردت عن صحابي، ثم يجعل المعنى المدلول عليه بهذا اللفظ أصلا من أصول العقيدة؟!
بل الذي ورد إنما هو مطلق الفوقية، بل الفوقية التي هي فوقية قدرة وقهر، وأين هذا من الجهة التي هي صفة الأجسام لا صفة خالق الأجسام، فالعجب من هؤلاء الناس الذين يثبتون شيئا بأوهامهم ثم يتخيلون أنه مصرح به في القرآن.
ويعجب القارئ من الشوكاني بعد ذلك عندما يقول: “فالسلامة والنجاة في إمرار ذلك على الظاهر، والإذعان بأن الاستواء والكون على ما نطق به الكتاب والسنة من دون تكييف ولا تكلف ولا قيل ولا قال.”اهـ فهو نفسه قد خالف هذا الكلام قبل هذا بسطور عندما أثبت الهيئة فأين وردت الهيئة في القرآن، وأين صرح بها الرسول عليه السلام؟ فهل هذا إلا محض افتراء وخيال؟!
ثم تراه بعد ذلك يبالغ في الخطأ عندما يقول في نحو قوله تعالى(إن الله مع الصابرين): “هكذا جاء القرآن، إن الله مع هؤلاء ولا نتكلف تأويل ذلك كما يتكلف غيرنا بأن المراد بهذا الكون وهذه المعية هو كون العلم ومعيته، فإن هذا شعبة من شعب التأويل تخالف مذاهب السلف وتباين ما كان عليه الصحابة والتابعون وتابعوهم”.اهـ، ولقد والله حِرتُ وأنا أقرأ كلامه هذا، فعند الاستواء يثبت الهيئة، وعند الفوقية يثبت الجهة، ثم تراه عند المعية يبقيها على ظاهرها، ويثبت ذلك كله وينسبه إلى السلف، وأما غيره ممن ينتمي إلى منهجه فقد تراه يخالفه في هذا ويثبت غيره إلى السلف أو يزيد عليه، ويدعي أن هذا نص القرآن. والحق أنهم كلهم يستقون من نبع واحد، ولذا فهم كلهم يقعون في نوع واحد من الأغلاط، فالسلف والخلف أقصد العلماء الذين يعتد بهم مجمعون على أن المراد بالمعية معية العلم والقدرة والعناية، ومجمعون على امتناع نسبة الجهة إلى الله تعالى, وهذا هو الحق الذي قام عليه الدليل، وأوضحت بعض ذلك في الرد على تعليقات ابن باز التي كتبها على متن العقيدة الطحاوية. وبسطها موجود في كتب العلماء. ونحن عندما نقول إنهم مجمعون على امتناع نسبة الجهة إلى الله تعالى نقصد بالتصريح أحيانا كما في الطحاوية وبالتلميح أحيانا كما في غيرها، والاستناد في هذا إلى قوله تعالى (ليس كمثله شيء) وما يشابهها وإلى أحاديث وأدلة عقلية قطعية.
فانظر أيها العاقل في هذا الكلام وتدبره تعلم حقيقة قول السلف، ولا تغتر بكل من ينتسب إليهم ويدعي أنه بهم يقتدي، بل أمعِن النظر، ثم اتَّبِع ما يدلك عليه الدليل، ولا تنجرف وراء تيار المبالغات والشتائم في هذه المسائل، فإن في هذا الهلاك في الدنيا والآخرة.
بين التنزيه والتشبيه
قوله:”فإن قلت وماذا تريد بالتعطيل في مثل هذه العبارات التي تكررها فإن أهل المذاهب الإسلامية يتنزهون عن ذلك ويتحاشون عنه ولا نصدق معناه ولا يوجد مدلوله إلا في طائفة من طوائف الكفار وهم المنكرون للصانع. قلت: يا هذا إن كنت ممن له إلمام بعلم الكلام الذي اصطلح عليه طوائف من أهل الإسلام فإنك لا محالة قد رأيت ما يقوله كثير منهم ويذكرونه في مؤلفاتهم ويحكونه عن أكابرهم إن الله سبحانه وتعالى تنزه وتقدس لا هو جسم ولا عرَض ولا جوهر، ولا داخل العالم ولا خارجه. فأنشدك الله: أي عبارة تبلغ مبلغ هذه العبارة في النفي؟ وأي مبالغة في الدلالة على هذا النفي تقوم مقام هذه المبالغة؟
ثم قال: وقد يغني هؤلاء وأمثالهم من المتكلمين والمتكلفين كلمتان من كتاب الله تعالى وصف بهما نفسه وأنزلهما على رسوله وهما (ولا يحيطون به علما) و(ليس كمثله شيء).اهـ
يبالغ المجسمة دائما في النهي عن الخوض في علم الكلام، ويطلقون النهي في ذلك، ولا يفرقون بين الكلام الباطل والكلام الصحيح، فنحن ننهى عن الخوض في كلام المجسمة والمشبهة، ونفاة الذات الإلهية ونفاة الصفات الثابتة لله تعالى، نعم هذا صحيح، فينهى العامة عن الخوض في مثل هذه الكتب خوفا عليهم من التأثر بمثل هذه الأفكار الفاسدة. ولكننا نحض الناس على التمرس في كلام أهل السنة وخصوصا المتأهلون منهم للتعمق فيه، وأيضا عند انتشار البدع والمذاهب الباطلة. فعلم الكلام في نفسه ليس بمنهي عنه، لأنه علم يبحث فيه عن الذات الإلهية وصفاتها والأحكام اللازم إثباتها لله عز وجل، وما يجب أن ننفيه عنه جل شأنه. وكذلك يبحث في النبوات فيثبت نبوة سيدنا محمد ويرد على المخالفين في ذلك، فهذا العلم كيف يكون منهيا عنه. ولكن قد درج المجسمة على النهي عن ذلك العلم لأن المتمرس فيه يسهل عليه كشف فضائحهم وتبين مفاسد أقوالهم، ولذلك لا ترى مجسما قد برع في علم الكلام، وبقي على تجسيمه إلا أن يكون على قلبه غشاوة عظيمة، ويكون أسلوبه التلبيس على الخلق.
ثم نقول للشوكاني: أما اعتراضك على من ينفي كون الله جسما فلست أدري هل تقول أنت إن الله جسم، فإن قلت كذلك صرْتَ مجسما، ودخلت فيما فررت منه، وإلا فلم تعترض عليهم في استعمال كلمات معينة للدلالة على معنى صحيح وهو نفي الجسمية. أما إذا كان اعتراضك على أسلوبهم الذي يستعملونه وأن في كتاب الله ما يغني عن ذلك، فلا وجه لك في هذا الاعتراض فإن المبتدعة يستعملون ألفاظا للدلالة على معان معينة، ويحتاج حراس الشريعة في الذب عن الدين إلى نفي المعاني الباطلة وعلى وجه التفصيل، كما لو جاء أحدهم وقال: الدين أفيون الشعوب، أفلا يجوز أن نقول له حينئذ، لا، الدين ليس أفيونا. بحجة أن هذا اللفظ لم يرد في كتاب الله فلا نستعمله، أم إن هذه حجة من لا يعرفون للفظ معنى، أو هم يعرفون ولكن يوافقون على هذا المعنى. فإذا جاء رجل وقال الله جسم، أفلا يجوز أن نقول له لا، الله ليس جسما ولا كالأجسام، بحجة أن هذا النفي لم يرد في كتاب الله، بلى نقول له ذلك، ونقول له مع ذلك (ليس كمثله شيء).
وأما هذه الاصطلاحات التي أحدثها العلماء في شتى العلوم فهي لتسهيل التعلم والتعليم، وهذه العلة مطردة في سائر العلوم الشرعية والعقلية والتجريبية، قال الشيخ عليش( [10]):”وإنما أحدث المتأخرون الاصطلاحات لتخفيف مؤنة التعلم والتعليم، لا لتوقف معرفة الحق عليها، وإلى هذا أشار ابن فورك بقوله لو لم يدخل الجنة إلا من عرف الجوهر والعرض لبقيت الجنة خالية، ونحن نقول بموجبه وبأنه لا يدخلها إلا من عرف الله سبحانه وتعالى، عرَفَ الجوهر والعرض أو لا .”اهـ.
أما إذا قصد الشوكاني أن الابتداء بتعليم هذا النفي لعامة الناس هو المذموم أما معناه بذاته فليس غلطا، فقد نساعده في هذا، ولكن نعترض على قوله إن من يمارس هذا الكلام فهو النافي وهذا هو المقصود بالنفي، فهذا قدح منه في علماء الإسلام، بل هو دخول في مضايق
_____________________________
( [10] ) “هداية المريد لعقيدة أهل التوحيد وشرحها عمدة أهل التوفيق والتسديد”، وهو للشيخ عليش، طبعة جامعة السيد محمد بن علي السنوسي الإسلامية، المملكة الليبية 1388هـ-1968م.
الغلط من دون برهان، فلا شك أن هذه المعاني المنفية نفيها صحيح وإثباتها في حق الله غلط. ومن قال بها فقد صرح بانتسابه إلى التجسيم والتشبيه. ولا يضر من نطق بهذا كلامُ الشوكاني شيئا لأنه كلام عارٍ عن الدليل، وكل ما كان كذلك فهو غير لازم الأخذ.
وهل عندما ننفي الجسمية عن من هو ليس بجسم، هل هذا تعطيل لصفته، فكيف وهي ليست صفته؟! إن من يطلق على هذا أنه تعطيل فهو مجسم.
وهل عندما نقول الله ليس عرضا ولا داخل العالم ولا خارج العالم، هل هذا تعطيل؟! فكيف نكون قد عطلنا صفاته، أي نفيناها وأنت أصلا تدعي أنه لا يتصف بها، لأنها من مستلزمات الأجسام فالمتصف بها لا ريب جسم، والذي يستنكر نفيها لا ريب مجسم.
لمحة عن تدرجات الشوكاني في العقائد
قوله: وها أنا أخبرك عن نفسي، وأوضح لك ما وقعت فيه في أمسي، فإني في أيام الطلب وعنفوان الشباب شغلت بهذا العلم الذي سموه تارة علم الكلام، وتارة علم التوحيد، وتارة علم أصول الدين وأكببت على مؤلفات الطوائف المختلفة منهم ورمت الرجوع بفائدة والعود بعائدة، فلم أظفر من ذلك بغير الخيبة والحيرة، وكان ذلك من الأسباب التي قد حببت إليَّ مذهب السلف، على أني كنت قبل ذلك عليه، ولكن أردت أن أزداد منه بصيرة وبه شغفا. اهـ
أقول: لو نظرنا إلى هذه الفقرة نظرة تحليلية، أي أعدنا ترتيبها الزمني كما يتلوها الشوكاني لاستطعنا أن نفهمها على حقيقتها، فلو قلت فما الحاجة إلى ما تقول؟ قلنا:لأن الشوكاني يريد أن يستخدمها حجة على ما يريد، ,نحن لا نرى فيها حجة من عدة وجوه نكتفي ببيان بعضها. أهم ما فيها يتضح لنا عندما نعيد ترتيب الفقرة، وملء بعض الفراغات التي فيها لاستكمال المعنى، وأما ملء الفراغات فنستعين فيه ببعض الكلمات المذكورة في الكتاب:
1- من الواضح عند من له إلمامٌ في هذا الموضوع أن الشوكاني لا يعرف مذهب المتكلمين على حقيقته، ولا هو يعرف حقيقة مذهب السلف، وذلك واضح مما مرَّ من تعليقات، وواضح أيضا من كتبه الأخرى وتعليقاته على كلمات العلماء المتناثرة في أثناء كتبه.
2- من المعلوم عند من يعرف شيئا عن الشوكاني أنه كان في الأصل زيدي المذهب أي إن مجتمعه الذي عاش فيه على الأقل كان زيديا، تحول عن هذا المذهب إلى شيء آخر زعم أنه هو الذي أوصله إليه اجتهاده، وهذا نسلمه له، أي من حقه أن يتحول إلى المذهب الذي يختاره، ولكن لا نسلم أنه توصل إلى المذهب الحق من دون باقي المجتهدين، الذين لا يذكر الشوكاني إذا ذكروا، خاصة في علم أصول الدين.
3- لا ريب أن أفكار ابن تيمية قد تأثر بها الشوكاني وأثرت فيما يفهمه إذا أطلق لفظ السلف ومذهب السلف، فلا بد أن يكون معتقدا – ولو على وجه التأثر- أن المذهب الذي يدافع عنه ابن تيمية هو مذهب السلف. وأيضا لا بد أن فهمه لمذاهب علماء التوحيد قد تشوه منذ نعومة أظفاره، لأنه تربى على يد مشايخ وأفكار تتبع في أصولها نظرة ابن تيمية، ولا أقول أنه اتبعه اتباعا تاما، ولكن لا بد أن يكون قد حصل في نفسه انجراف وتأييد لما يدعو إليه ابن تيمية، وكذلك لا بد أن يكون قد تولد في نفسه موقف المعاداة للذين يخالفون ابن تيمية في عقائده. ومعلوم تأثر الشوكاني بالمقبلي وابن الوزير والمعلمي وغيرهم، وهؤلاء معلوم أنهم يميلون إلى كثير من أقوال ابن تيمية، وإن خالفوه في أمور، ومن يقرأ كتبهم تتحفز نفسه تلقائيا – إن لم يكن عارفا بمذهبهم – نحو معاداة المتكلمين المخالفين لابن تيمية.
4- بناءا على هذه المقدمات، نبدأ بترتيب كلام الشوكاني المذكور حتى نفهم هل بحث الشوكاني بحثا حرا أم كان وهو يبحث متأثرا بنظرة تخالف ما يبحث عنه. فإذا كان متأثرا بأمور أخذها وهو صبي عن أساتذته، فلا يمكن أن يكون ما توصل إليه بحثا حرا ولا اجتهادا مطلقا خاصة وهو يقر أنه حتى في أثناء قراءته لكتب الكلام كان ملتزما بما سماه مذهب السلف، الذي عرفنا حقيقة أنه عين مذهب ابن تيمية، وبناءا على ذلا فلا يمكن أن نسمي الفعل الذي قام به الشوكاني إلا اجتهادا -ونضع هذه بين قوسين- مقيَّداً. وهذا لا يجوز الاحتجاج به على المخالفين.
5- في نهاية فقرته يقول عن ما يطلق عليه أنه مذهب السلف”على أني كنت قبل ذلك عليه”، فهو قبل أن يبدأ بالبحث في كتب التوحيد أو أصول الدين، كان متأثرا بما يدعوه مذهب السلف، وقد عرفنا نحن ماذا يعني بمذهب السلف، وعرفنا أصوله في ذلك وما هو مصدر معلوماته، وما علاقته بابن تيمية وما يقوله من اتهامات عن المتكلمين لا أساس لها، وهو يقول أنه كان مقتنعا بمذهب السلف هذا، بالصورة التي حصل عليها وهو في أيام الطلب وعنفوان الشباب، ونحن نعلم إلى أي حد يمكن أن تكون الصورة واضحة عند إنسان هو في عنفوان الشباب وأيام الطلب، وفوق هذا متأثر بآراء مشايخ مثل المقبلي وابن الوزير وابن تيمية الذين يدعون الاجتهاد ومخالفة المشايخ، ويدعون أنهم هم لا غيرهم الذين وصلوا إلى حقيقة مذهب السلف.
6- ثم هو يقول إنه شغل في تلك الأيام بهذا العلم، وأكبَّ على مؤلفات الطوائف المختلفة منهم ورام الرجوع بفائدة فلم يظفر بذلك، فإذا سألناه ما هي هذه الفائدة، قال لنا: إنه أراد بقراءة ومطالعة هذا العلم الازدياد بمذهب السلف الذي يعتقده بصيرة وشغفا، أقول: من الطبيعي أن لا يحصل الشوكاني على بغيته هذه في هذه الكتب، لأنه وضع فكرة مسبقة عن صورة مذهب السلف الذي يريد الازدياد به حبا، وكان هذا المذهب الذي تلقاه من مشايخه المتأثرين بنزعتهم والتي تتسم بالتفلت من المذاهب السنية والزيدية، وميلهم نحو عقائد ابن تيمية، وطريقته في مناقشة الخلق. أقول: من الطبيعي أن لا يجد الشوكاني ما يبحث عنه في هذه الكتب، لأنه يعتقد بمذهب ابن تيمية وغيره، ويريد من مثل الجرجاني والتفتازاني والفخر الرازي وغيرهم أن يثبتوا له صحة مذهبه الذي يعتقده وأنى له ذلك؟! والعجب ممن يبحث بهذا الأسلوب، ثم يرجو أن لا يعود بحيرة وخيبة.
7- هذا هو حقيقة ما حصل مع الشوكاني باختصار، استنبطناها من كلامه، وما نعرفه عنه من كتبه. فلا ينبغي أن يقول عاقل بعد هذا: إن الشوكاني هو من قد جرب وعرف وبحث ونظر فوجد المذهب الحق،ويتخذ من تجربة الشوكاني هذه حجةً على الآخرين، فهذا الاستدلال باطل قطعا، وتجربة الشوكاني وبحثه لا يجوز أن يتخذها حجة إلا له وذلك لعدم تسليمنا بصحتها، خاصة مع ما يتخللها من قصور واضطرابات.
8- وأيضا فلم يقل أحد إن علم الكلام مطلوب تعلُّمُه من كل إنسان، بل ممن يغلب عليه الشك ليذهب شكه بما يقرؤه من حجج، أو مَنْ يريد أن يدافع عن الإسلام بالحجج الباهرة أو يدلَّ إنسانا ضلَّ سبيله في هذه الحياة، مغترا بعض الأقوال التي هي ضد الأديان، فلا بد من إنسان يتفرغ للرد على المتشككين الذين يشككون الناس في عقائدهم بالرد عليهم بالأدلة المبطلة لأقوالهم، ويستعمل هذا العلم على قدر الحاجة. وأما المطلوب من عامة الناس فهو القيام على العقائد الحقة الصحيحة ومعرفتها على سبيل الإجمال، أما التوسع في معرفة أدلة الاعتقاد فليس مطلوبا من كل الناس.
كلمة أخيرة لابن السبكي في غاية الأهمية:
قال الإمام تاج الدين السبكي( [11]):
للأشاعرة قولان مشهوران في إثبات الصفات، هل تمر على ظاهرها مع اعتقاد التنزيه أو تؤول؟ والقول بالإمرار مع اعتقاد التنزيه هو المعزو إلى السلف، وهو اختيار الإمام-أي الجويني- في الرسالة النظامية، وفي مواضع من كلامه فرجوعه معناه الرجوع عن التأويل إلى التفويض، ولا إنكار في هذا، ولا في مقابله، فإنها مسألة اجتهادية، أعني مسألة التأويل أو التفويض مع اعتقاد التنزيه، إنما المصيبة الكبرى والداهية الدهياء الإمرار على الظاهر، والاعتقاد أنه المراد، وأنه لا يستحيل على الباري، فذلك قول المجسمة عُبَّاد الوثن، الذين في قلوبهم زيغ يحملهم على اتباع المتشابه ابتغاء الفتنة، عليهم لعائن الله تَتْرى واحدة بعد أخرى، ما أجرأهم على الكذب وأقلَّ فهمهم للحقائق.اهـ
وهذا هو القول الفصل وخاتمة الكلام.
والحمد لله رب العالمين
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا
وليس لنا وراء الله مذهب ولا غاية
__________________________
( [11] ) طبقات الشافعية الكبرى(5/191).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق