Sheikh Fawzy Mohamed Abuzeid

Loading...

الاثنين، 22 أبريل 2013

حكم العمل المشوب بحظوظ نفسية او دنيوية


كلام الغزالي في حكم العمل المشوب واستحقاق الثواب به

        ومما بحثه الغزالي وحققه في كتاب "النية والإخلاص" من "الإحياء": بيان حكم العمل الذي امتزجت به بعض الشوائب الدنيوية، أو الحظوظ النفسية، ولم يخلص كله لله، ولم يكن كله للرياء، وهل يستحق المسلم به بعض الثواب أو لا؟
وكلامه هنا جيد ينبغي أن ينقل أيضا، ففيه نجد عقل الفقيه، وقلب الصوفي معا.
        يقول رضي الله عنه:"اعلم أن العمل إذا لم يكن خالصا لوجه الله تعالى، بل امتزج به شوب من الرياء أو حظوظ النفس، فقد اختلف الناس في أن ذلك هل يقتضي ثوابا، أم يقتضي عقابا، أم لا يقتضي شيئا أصلا، فلا يكون له ولا عليه؟
وأما الذي لم يرد به إلا الرياء فهو عليه قطعا، وهو سبب المقت والعقاب.
وأما الخالص لوجه الله تعالى فهو سبب الثواب.

وإنما النظر في المشوب، وظاهر الأخبار تدل على أنه لا ثواب له، وليس تخلو الأخبار عن تعارض فيه.
والذي ينقدح لنا فيه، والعلم عند الله، أن ينظر إلى قدر قوة الباعث.
فإن كان الباعث الديني مساويا للباعث النفسي تقاوما وتساقطا، وصار العمل لا له ولا عليه.
وإن كان باعث الرياء أغلب وأقوى فهو ليس بنافع، وهو مع ذلك مضر ومفض للعقاب، نعم العقاب الذي فيه أخف من عقاب العمل الذي تجرد للرياء، ولم يمتزج به شائبة التقرب.
وإن كان قصد التقرب أغلب بالإضافة إلى الباعث الآخر ـ فله ثواب بقدر ما فضل من قوة الباعث الديني، وهذا لقوله تعالى: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره)، ولقوله تعالى: (إن الله لا يظلم مثقال ذرة، وإن تك حسنة يضاعفها). فلا ينبغي أن يضيع قصد الخير، بل إن كان غالبا على قصد الرياء حبط منه القدر الذي يساويه وبقيت الزيادة، وإن كان مغلوبا سقط بسببه شيء من عقوبة القصد الفاسد.
وكشف الغطاء عن هذا: أن الأعمال تأثيرها في القلوب بتأكيد صفاتها، فداعية الرياء من المهلكات، وإنما غذاء هذا المهلك وقوته العمل على وقفه، وداعية الخير من المنجيات، وإنما قوتها بالعمل على وقفها، فإذا اجتمعت الصفتان في القلب فهما متضادتان، فإذا عمل على وفق مقتضى الرياء فقد قوى تلك الصفة، وإذا كان العمل على وفق مقتضى التقرب، فقد قوى أيضا تلك الصفة، وأحدهما مهلك، والآخر منج، فإن كان تقوية هذا بقدر تقوية الآخر فقد تقاوما، فكان كالمستضر بالحرارة إذا تناول ما يضره، ثم تناول من المبردات ما يقاوم قدر قوته، فيكون بعد تناولهما كأنه لم يتناولهما، وإن كان أحدهما غالبا لم يخل الغالب عن أثر، فكما لا يضيع مثقال ذرة من الطعام والشراب والأدوية، ولا ينفك عن أثر في الجسد بحكم سنة الله تعالى، فكذلك لا يضيع مثقال ذرة من الخير والشر، ولا ينفك عن تأثير في إنارة القلب أو تسويده، وفي تقريبه من الله، أو إبعاده، فإذا جاء بما يقربه شبرا مع ما يبعده، فقد عاد إلى ما كان، فلم يكن له ولا عليه، وإن كان الفعل مما يقربه شبرين، والآخر يبعده شبرا واحدا، فضل له لا محالة شبر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اتبع السيئة الحسنة تمحها"، فإذا كان الرياء المحض يمحوه الإخلاص المحض عقبيه، فإذا اجتمعا جميعا فلابد وأن يتدافعا بالضرورة.
"ويشهد لهذا إجماع الأمة على أن من خرج
حاجا ومعه تجارة، صح حجه، وأثيب عليه، وقد امتزج به حظ من حظوظ النفس، نعم يمكن أن يقال: إنما يثاب على أعمال الحج عند انتهائه إلى مكة، وتجارته غير موقوفة عليه، فهو خالص، وإنما المشترك طول المسافة، ولا ثواب فيه مهما قصد التجارة، ولكن الصواب أن يقال: مهما كان الحج هو المحرك الأصلي، وكان غرض التجارة كالمعين والتابع، فلا ينفك نفس السفر عن ثواب، وما عندي أن الغزاة لا يدركون في أنفسهم تفرقة بين غزو الكفار في جهة تكثر فيها الغنائم، وبين جهة لا غنيمة فيها، ويبعد أن يقال: إدراك هذه التفرقة يحبط بالكلية ثواب جهادهم. بل العدل أن يقال: إذا كان الباعث الأصلي، والمزعج القوي، هو إعلاء كلمة الله تعالى، وإنما الرغبة في الغنيمة على سبيل التبعية، فلا يحبط به الثواب، نعم لا يساوي ثوابه ثواب من لا يلتفت قلبه إلى الغنيمة أصلا، فإن هذا الالتفات نقصان لا محالة.
فإن قلت: فالآيات والأخبار تدل على أن شوب الرياء محبط للثواب، وفي معناه شوب طلب الغنيمة، والتجارة، وسائر الحظوظ، فقد روى طاوس وغيره من التابعين، أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عمن يصطنع المعروف، أو قال: يتصدق فيحب أن يحمد ويؤجر، فلم يدر ما يقول له، حتى نزلت: (فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا)، وقد قصد الأجر والحمد جميعا، وروى معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أدنى الرياء شرك"، وقال أبو هريرة: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يقال لمن أشرك في عمله: خذ أجرك ممن عملت له".
"وروى عن عبادة، أن الله عز وجل يقول: "أنا أغنى الأغنياء عن الشركة، من عمل لي عملا فأشرك معي غيري ودعت نصيبي لشريكي". وروى أبو موسى أن أعرابيا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله: الرجل يقاتل حمية، والرجل يقاتل شجاعة، والرجل يقاتل ليرى مكانه: من في سبيل الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله". وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: تقولون فلان شهيد، ولعله أن يكون قد ملأ دفتي راحلته ورقا (أي دراهم). وقال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من هاجر يبتغي شيئا من الدنيا فهو له".
"فنقول: هذه الأحاديث لا تناقض ما ذكرناه، بل المراد بها: من لم يرد بذلك إلا الدنيا، كقوله: "من هاجر يبتغي شيئا من الدنيا" وكان ذلك هو الأغلب على همه، وقد ذكرنا أن ذلك عصيان وعدوان، لا لأن طلب الدنيا حرام، ولكن طلبها بأعمال الدين حرام، لما فيه من الرياء وتغيير العبادة عن موضعها، وأما لفظ الشركة حيث ورد فمطلق للتساوي، وقد بينا أنه إذا تساوى القصدان تقاوما، ولم يكن له ولا عليه، فلا ينبغي أن يرجى عليه ثواب.

ثم إن الإنسان عند الشركة أبدا في خطر، فإنه لا يدري أي الأمرين أغلب على قصده، فربما يكون عليه وبالا، ولذلك قال تعالى: (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا). أي لا يرجى اللقاء مع الشركة التي أحسن أحوالها التساقط.
ويجوز أن يقال أيضا: منصب الشهادة لا ينال إلا بالإخلاص في الغزو، وبعيد أن يقال من كانت داعيته الدينية بحيث تزعجه إلى مجرد الغزو، وإن لم يكن غنيمة، وقدر على غزو طائفتين من الكفار، إحداهما غنية، والأخرى فقيرة، فمال إلى جهة الأغنياء لإعلاء كلمة الله والغنيمة، لا ثواب له على غزوه البتة. ونعوذ بالله أن يكون الأمر كذلك، فإن هذا حرج في الدين، ومدخل لليأس على المسلمين، لأن أمثال هذه الشوائب التابعة قط لا ينفك الإنسان عنها إلا على الندور، فيكون تأثير هذا في نقصان الثواب، فأما أن يكون في إحباطه فلا.
نعم.. الإنسان فيه على خطر عظيم، لأنه ربما يظن أن الباعث الأقوى هو قصد التقرب إلى الله، ويكون الأغلب على سره الحظ النفسي، وذلك مما يخفى غاية الخفاء، فلا يحصل الأجر إلا بالإخلاص، والإخلاص قلما يستيقنه العبد من نفسه، وإن بالغ في الاحتياط.
فلذلك ينبغي أن يكون أبدا بعد كمال الاجتهاد مترددا بين الرد والقبول، خائفا أن تكون في عبادته آفة يكون وبالها أكثر من ثوابها، وهكذا كان الخائفون من ذوي البصائر، وهكذا ينبغي أن يكون كل ذي بصيرة، ولذلك قال سفيان رحمه الله: لا أعتد بما ظهر من عملي. وقال عبد العزيز بن أبي رواد: جاورت هذا البيت ستين سنة، وحججت ستين حجة، فما دخلت في شيء من أعمال الله تعالى إلا وحاسبت نفسي، فوجدت نصيب الشيطان أوفى من نصيب الله، ليته لا لي ولا علي.
ومع هذا لا ينبغي أن يترك العمل عند خوف الآفة والرياء، فإن ذلك منتهى بغية الشيطان منه، إذ المقصود أن لا يفوت الإخلاص، ومهما ترك العمل فقد ضيع العمل والإخلاص جميعا.
وقد حكى أن بعض الفقراء كان يخدم أبا سعيد الخراز ويخف في أعماله، فتكلم أبو سعيد في الإخلاص يوما يريد إخلاص الحركات، فأخذ الفقير يتفقد قلبه عند كل حركة ويطالبه بالإخلاص، فتعذر عليه قضاء الحوائج، واستضر الشيخ بذلك، فسأله عن أمره، فأخبره بمطالبته نفسه بحقيقة الإخلاص، وأنه يعجز عنها في أكثر أعماله فيتركها، فقال أبو سعيد: لا تفعل، إذ الإخلاص لا يقطع المعاملة، فواظب على العمل، واجتهد في تحصيل الإخلاص، فما قلت لك: اترك العمل، وإنما قلت لك: أخلص العمل، وقد قال الفضيل: ترك العمل بسبب الخلق رياء، وفعله لأجل الخلق شرك".

======================

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق