التعريف الرابع :



العبادة تجمع أصلين : غاية الحب بغاية الذل والخضوع , والعرب تقول: طريق معبد أي مذلل، والتعبد التذلل والخضوع، فمن أحببته ولم تكن خاضعا له لم تكن عابدا له، ومن خضعت له بلا محبة لم تكن عابدا له حتى تكون محبا خاضعا. (مدارج السالكين 1/74) .

وهذا التعريف منقوض بكثير من عبادات المسلمين , بل عبادات أكثر المسلمين , فإن غاية الخضوع مع غاية الذلّ مرتبة لا يصلها إلا الأنبياء وخُلّص الأولياء! وعبادات أكثر المسلمين لا تشتمل على غاية الذل والخضوع , وقد لا تشتمل على غاية الحب , فقد ثبت عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه قال فيما رواه أحمد وغيره : (إن العبد ليصلي الصلاة ما يُكتب له منها إلا عشرها ، تسعها ، ثمنها ، سبعها ، سدسها ، خمسها ، ربعها ، ثلثها ، نصفها!!) .

فهل جميع عبادات المسلمين التي لم تصل إلى الغاية في الخضوع أو الحب , خارجة عن حدّ العبادة؟!

وكذلك كثيرٌ من المشركين يعبدون آلهتهم دون أن تكون عبادتهم مشتملة على غاية الحب أو غاية الخضوع , ومع ذلك فهي عبادة!

ومعلوم أنّ غاية الحبّ وغاية الخضوع لا تكون إلا باعتقاد الربوبية والألوهية في المخضوع له , فلا يكون الفعل حينئذ عبادة إلا بذلك الاعتقاد , والوهابية أنفسهم لا يقولون بذلك!! , بل يرون أنّ بعض مظاهر الخضوع عبادة بقطع النظر عن الاعتقاد والنية .

فهذا أيضاً تعريفٌ غير جامع لمصاديق العبادة .
وسأبين الآن بعض الأعمال التي قام الوهابية بتكفير الأمة عليها , أو جعلوها وسيلة إلى الشرك , بناء على فهمهم الباطل لأقسام التوحيد وحقيقة العبادة , فتوهموا أن تلك الأفعال عبادة ذاتية لا تختلف باختلاف نية فاعلها واعتقاده , بل جعلوا مجرّد أدائها لغير الله تعالى عبادة له .

تنبيه :
كلّ حديث صحّحه المتقدمون من الأئمة والمحدّثين فهو عندنا صحيح , خصوصاً إذا قال بصحّته أكثر من واحد من الأئمة المتقدمين , وكذلك الأمر في التضعيف , وإذا خالف حكم بعض المعاصرين لكلام الأئمة السابقين فليس لقوله قيمة ولا اعتبار , بل هو في حكم العدم , فقد كثرُ الجهل وعمّ الهوى على كثير من المتصدّرين للحكم على الحديث في هذا الزمان , فتراهم يصححون ما ضعّفه أئمة الحديث وصيارفته ويضعّفون ما صححوه , فلهذا لا يهمّنا حكم المعاصرين إذا خالف أحكام الأئمة المتقدمين , إلا أن يكون الخلاف قائمًا بين المتقدمين أصلًا .