الأحد، 23 أبريل 2017

الإستغاثة والدعاء ليست عبادة في كل حال

الاستغاثة ليست عبادة في كل حال

إن مسألة الطلب والاستغاثة من أكبر المسائل التي كفّر بها الوهابية بعض المسلمين , وادّعوا وقوع الكثيرين في الشرك بسبب دعائهم غيرَ الله تعالى , مستدلّين على ذلك بقولهم أنّ الدعاء عبادة , ودعاء غير الله تعالى عبادة له , فقد قال الله تعالى : ((وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً)) , وقال تعالى : ((ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك)) , وغيرها من الآيات التي تنهى عن دعاء غير الله تعالى وتبين أنّه السبب في شرك المشركين , فالمشركون لم يعتقدوا الربوبية في أصنامهم , ولم يعتقدوا بأنها تنفع وتضر وتعز وتذل , فلذلك كان مجرّد الطلب من هذه الأصنام عبادة لغير الله تعالى! , وبه أشرك المشركون , هذا ما يراه الوهابيون .

وقد أبطلتُ فيما مضى كون المشركين موحّدين في الربوبية , وأثبتتُ أنّهم ما عبدوا أصنامهم إلا لاعتقادهم الربوبية فيها وأنّها مستحقة للعبودية , وبيّنت أيضاً أنّ الخضوع لا يكون أداؤه لغير الله تعالى شركاً إلا إذا فُعل بقصد التعبّد أو باعتقاد خواص الربوبية أو الألوهية , أمّا أداؤه دون ذلك فلا يخرج صاحبه من الملّة إلا إن كان أمارة من أمارات الكفر , ومعلوم أنّ أبرز الأفعال الخضوعية هو السجود , ومع ذلك فإنّ أداءه لغير الله تعالى على سبيل التحية والتكريم كان مشروعاً عند من قبلنا , وكذلك الدعاء والطلب إذا لم يكن بقصد التعبد لم يكن أداؤه لغير الله تعالى شركاً .

وعلى هذا فإنّ دعاء الأنبياء والأولياء والاستغاثة بهم لا يعتبر شركاً إلا إذا قصد الداعي التعبد بذلك , أو اعتقد فيهم شيئاً من خصائص الربوبية والألوهية , لكنّ هؤلاء المستغيثين لا يقصدون بتلك الاستغاثة التعبّد ولا يعتقدون شيئاً من خصائص الربوبية في الأنبياء والأولياء , ولا يرون فيهم استحقاق العبودية , بل يرون أنّهم متسببون في بعض الأفعال بإذن الله , ولذلك لا تكون الاستغاثة بالأنبياء والأولياء عبادة لهم , وليست شركاً في الألوهية كما يزعم الوهابية , ولو كان الدعاء والاستغاثة عبادة وإن لم يقصد به التعبّد , لكانت استغاثة الطفل بأمه واستغاثة المريض بالطبيب واستغاثة الغريق بالمنقذ واستغاثة الملك بالجيش عبادة لهؤلاء , ولكانت الاستغاثة الواردة في قوله تعالى : تعالى {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ } [القصص: 15] شركاً أيضاً , لكون جميع ذلك دعاء واستغاثة , وفيه نسبة الفعل لغير الله تعالى , وهذا لا يقول به عاقل , فبطل كون الاستغاثة بالأنبياء والأولياء عبادة لهم وشركاً في الألوهية .


المطلب الثاني : المعاني الكثيرة للدعاء تُبطل كون الدعاء عبادة في كلّ حال


ويستدل الوهابية على كون دعاء الأنبياء والأولياء شركاً بآيات تتحدّث عن دعاء العبادة لا عن دعاء المسألة , كقوله تعالى : ((وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحداً)) , وقوله تعالى : ((ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك)).

مع أنّ الدعاء ليس عبادة في كلّ حال , فأحياناً يكون عبادة وأحياناً لا يكون عبادة , وقد ورد الدعاء بمعاني متعددة , منها :
الاستعانة , قال تعالى : ((وادْعوا شُهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين)) , وقال تعالى : ((وادعوا من استطعتم من دون الله)) , وقال تعالى : ((وليدع ربه)) .
فلو فسّرنا الدعاء بالعبادة , لكان الله تعالى آمراً بعبادة غيره!! والله تعالى لا يأمر بالفحشاء .
السؤال : كما في : ((ادع ربك بما عهد عندك)) , وفي : ((أجيب دعوة الداعي إذا دعان)) , وفي : ((وقال الذين في النار لخزنة جهنّم ادعوا ربكم)) .
لو استبدلنا كلمة (ادع) بـ (اعبد) لما استقام المعنى .
القول : كما في : ((فما كان دعواهم إذ جاء بأسنا)) , وفي : ((دعواهم فيها سبحانك اللهم)) , وفي : ((فما زالت تلك دعواهم)) .
فلو فسّرنا الدعاء بالعبادة لكان معنى الآية الأولى مثلاً : فما كان عبادتهم إذ جاء بأسنا ... , وهذا لا يصح .
النداء : كما في : ((ولا يسمع الصم الدعاء)) , وفي ((يوم يدع الداع إلى شيء نكر)) , وفي ((إن تدعوهم لا يسمعوا دعائكم)) .
لو استبدلنا كلمة (الدعاء) بـ (العبادة) لما استقام المعنى .
الادعاء : كما في : ((أن دعوا للرحمن ولداً)) 
العذاب والهلاك : كما في ((تدعو من ادبر وتولى)) , أي تعذب وتهلك .
ولو استبدلنا كلمة (تدعو) بـ (تعبد) لما استقام المعنى .
العبادة : كما في : ((ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرّك)) , وفي ((والذين لا يدعون مع الله إلها آخر)) , وفي ((قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا)) .

فقول الوهابية أن الدعاء عبادة وصرفه لغير الله تعالى شرك , يخالف تعدد المعاني لكلمة الدعاء , فلا يكون صرف الدعاء لغير الله تعالى شركاً إلا إذا كان عبادة , وبالتالي دعاء الأنبياء والأولياء بمعنى السؤال ليس عبادة لهم , إلا إذا قُصِد به التعبد أو اعتقد الداعي شيئاً من خصائص الربوبية أو استحقاق العبودية في النبي أو الولي .

والحق أنّ الوهابية ميّزوا بين معاني الدعاء المختلفة , إلّا أنهم في الغالب لم يميّزوا بين دعاء العبادة ودعاء المسألة , فاستدلوا بآيات دعاء العبادة على شركية أداء دعاء المسألة لغير الله تعالى , مع أنّ هذه الآيات تتحدث عن دعاء العبادة لا عن دعاء المسألة , ومن أكثر الآيات التي يستدلون بها في كون دعاء المسألة عبادة وصرفه لغير الله تعالى شركاً , ما يلي :

أ- قوله تعالى : ((وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (*) وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (*) قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (*) )).

قال الطبري في تفسيره : ( يقول تعالى ذكره لنبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا ) أيها الناس ( مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ) ولا تشركوا به فيها شيئا ، ولكن أفردوا له التوحيد ، وأخلصوا له العبادة....
عن ابن عباس، قال: قول الجنّ لقومهم لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ) قال: لما رأوه يصلي وأصحابه يركعون بركوعه ويسجدون بسجوده، قال: عجبوا من طواعية أصحابه له؛ قال: فقال لقومهم لما قام عبد الله يدعوه( كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا )... ) .
وقال البغوي في تفسيره : ({ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ } يعني المواضع التي بنيت للصلاة وذكر الله { فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } قال قتادة: كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم أشركوا بالله فأمر الله المؤمنين أن يخلصوا لله الدعوة إذا دخلوا المساجد وأراد بها المساجد كلها ) .
فالآية ظاهرة في دعاء العبادة لا في دعاء المسألة .

ب- قوله تعالى : { وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ }.
قال الطبري في تفسيره : (يقول تعالى ذكره: ومن يدع مع المعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له معبودا آخر، لا حجة له بما يقول، ويعمل من ذلك ولا بينة ) 
وقال البغوي في معالم التزيل : ({ وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ } أي: لا حجة له به ولا بينة، لأنه لا حجة في دعوى الشرك) .

ج - قوله تعالى : { وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (*) وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (*) }
قال الطبري في تفسيره : ( يقول تعالى ذكره: ولا تدع ، يا محمد ، من دون معبودك وخالقك شيئًا لا ينفعك في الدنيا ولا في الآخرة ، ولا يضرك في دين ولا دنيا، يعني بذلك الآلهة والأصنام. يقول: لا تعبدها راجيا نفعها أو خائفًا ضرَّها، فإنها لا تنفع ولا تضر ) .
وقال البغوي في معالم التنزيل : ({ وَلَا تَدْعُ } ، ولا تعبد، { مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ } ، إن أطعته، { وَلَا يَضُرُّكَ } ، إن عصيته، { فَإِنْ فَعَلْتَ } ، فعبدت غير الله، { فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ } ، الضارين لأنفسهم الواضعين العبادة في غير موضعها) .

د- قوله تعالى : ((لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ )) .
قال الطبري في تفسيره : ( وإنما عنى بالدعوة الحق، توحيد الله وشهادةَ أن لا إله إلا الله..... . 
وقوله : (والذين يدعون من دونه) يقول تعالى ذكره: والآلهة التي يَدْعونها المشركون أربابًا وآلهة ) .
وقال البغوي : ({ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ } أي: يعبدون الأصنام من دون الله تعالى. { لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ } أي: لا يجيبونهم بشيء يريدونه من نفع أو دفع ضر... )

هـ - قوله تعالى : ((قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (56) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ))
قال الطبري في تفسيره : (يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لمشركي قومك الذين يعبدون من دون الله من خلقه، ادعوا أيها القوم  الذين زعمتم أنهم أرباب وآلهة من دونه عند ضرّ ينزل بكم، فانظروا هل يقدرون على دفع ذلك عنكم، أو تحويله عنكم إلى غيركم، فتدعوهم آلهة، فإنهم لا يقدرون على ذلك، ولا يملكونه، وإنما يملكه ويقدر عليه خالقكم وخالقهم. وقيل: إن الذين أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم هذا القول، كانوا يعبدون الملائكة وعزيرا والمسيح، وبعضهم كانوا يعبدون نفرا من الجنّ ....
يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين يدعوهم هؤلاء المشركون أربابا( يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ ) يقول:
يبتغي المدعوّون أربابا إلى ربهم القُربة والزُّلفة، لأنهم أهل إيمان به، والمشركون بالله يعبدونهم من دون الله..) 

وقال البغوي في تفسيره : ( .. قال الله تعالى: { قُلِ } للمشركين { ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ } أنها آلهة { فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ } القحط والجوع { عَنْكُمْ  وَلا تَحْوِيلا } إلى غيركم أو تحويل الحال من العسر إلى اليسر. { أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ } يعني الذين يدعونهم المشركون آلهة يعبدونهم ..) .

فالوهابية لم يميّزوا غالبًا بين دعاء المسألة ودعاء العبادة , وأنزلوا آيات دعاء العبادة على دعاء المسألة , فحكموا على من صَرَف دعاء المسألة لغير الله بِحُكْمِ من صَرَف دعاء العبادة لغير الله! , فصار دعاء المسألة مرادفاً للعبادة , ولو كان الأمر كذلك لكان جميع الناس مشركين لسؤال بعضهم بعضاً ألوف المرات , وهذا ما جعل بعض الوهابية يفرقون بين دعاء المسألة ودعاء العبادة , لكنّهم جعلوا بعض أنواع دعاء المسألة من الشرك .

وتفريقهم هذا بين دعاء المسألة ودعاء العبادة , ثم حكمهم على بعض أنواع دعاء المسألة بالشرك , دليل على أنّ هذه الأنواع الشركية من دعاء المسألة ليست من العبادة , والشرك فيها ليس من الشرك في الألوهية والعبادة , وإلا لوضعوا هذه الأنواع ضمن دعاء العبادة لا دعاء المسألة , فجعلهم إيّاها ضمن دعاء المسألة اعتراف منهم بأنّها ليست من الشرك في العبادة والألوهية , بل هناك أمر آخر صيّرها شركاً غير كونها من العبادة , وهذا ما سيتضح فيما يلي :

قال ابن عثيمين في مجموع فتاواه (7/27) :
( الدعاء على نوعين : 
الأول : دعاء عبادة , بأن يتعبد للمدعو طلبا لثوابه وخوفا من عقابه، وهذا لا يصح لغير الله وصرفه لغير الله شرك أكبر مخرج عن الملة ، وعليه يقع الوعيد في قوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} . 
النوع الثاني: دعاء المسألة , وهو دعاء الطلب أي طلب الحاجات وينقسم إلى ثلاثة أقسام : 
القسم الأول: دعاء الله سبحانه وتعالى بما لا يقدر عليه إلا هو ، وهو عبادة لله تعالى ؛ لأنه يتضمن الافتقار إلى الله تعالى ، واللجوء إليه، واعتقاد أنه قادر كريم واسع الفضل والرحمة، فمن دعا غير الله -عز وجل- بشيء لا يقدر عليه إلا الله فهو مشرك كافر سواء كان المدعو حيا أو ميتا.
القسم الثاني: دعاء الحي بما يقدر عليه مثل يا فلان اسقني فلا شيء فيه.
القسم الثالث: دعاء الميت أو الغائب بمثل هذا فإنه شرك؛ لأن الميت أو الغائب لا يمكن أن يقوم بمثل هذا فدعاؤه إياه يدل على أنه يعتقد أن له تصرفا في الكون فيكون بذلك مشركا) .

فهم يرون أنّ دعاء المسألة مجرداً ليس شركاً , بل يقيدون دعاء المسألة الشركي بدعاء الميت أو دعاء الغائب , أو الدعاء بما لا يقدر عليه إلا الله تعالى .
عثمان محمد النابلسي 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق