Sheikh Fawzy Mohamed Abuzeid

Loading...

الأحد، 23 أبريل، 2017

توحيدُ الألوهية وتوحيدُ والربوبية متلازمان تلازمَ الروح والبدن

توحيدُ الألوهية وتوحيدُ والربوبية متلازمان تلازمَ الروح والبدن:

وأقول لزيادة الإيضاح , والتأكيد والإفصاح , إن توحيد الألوهية والربوبية متلازمان , لا ينفكان عن بعضهما البعض , كتلازم الروح والبدن , لا حياة لأحدهما دون الآخر , فإن ثبوت الملزوم يوجب ثبوت اللازم , كما أن نفي اللازم يوجب نفي الملزوم , فمن حقق الربوبية لا بد وأن يحقق الألوهية , ومن حقق الألوهية لا بد وأن يحقق الربوبية .

أ- معنى الإله والرب :

1- قال الجوهري في الصحاح عند مادّة "أله" :
( أله : أَلهَ بالفتح إِلاهَةً، أي عَبَدَ عِبَادَةً. وإلاهَةُ أيضاً: اسمٌ للشمس. والآلِهَةُ: الأصنامُ، سَمَّوها بذلك لاعتقادهم أنَّ العبادة تَحُقُّ لها، وأسماؤهم تَتْبَعُ اعتقاداتِهم لا ما عليه الشيء في نفسه. والتَأْليهُ: التعبيد. والتَأَلُّهُ: التَّنَسُّكُ والتَعَبُّدُ. قال رؤبة: سَبَّحْنَ واسْتَرْجَعْنَ من تأَلُّهي . وتقول: أَلِهَ يَأْلَهُ أَلَهاً، أي تَحَيَّرَ؛ وأصله وَلِهَ يَؤْلَهُ وَلَهاً. وقد ألِهْتُ على فلانٍ، أي اشتدَّ جزعي عليه، مثل ولِهْتُ ) .

وقال عند "ربب" :
( رَبُّ كلِّ شيءٍ: مالكُهُ. والربُّ: اسم من أسماء الله عَزَّ وجَلَّ، ولا يقال في غيره إلا بالإضافة، وقد قالوه في الجاهلية للملِك. قال الحارث بن حِلِّزَةَ:
وهو الرَبُّ والشهيدُ على يَوْمِ الحِيارَيْنِ والبَلاءُ بَلاءُ
والرَبَّانِيُّ: المُتَأَلِّهُ العارف بالله تعالى. وقال سبحانه: "كونوا رَبَّانِيِّينَ". ورَبَبْتُ القوم: سُسْتُهُمْ، أي كُنْتُ فوقهم.... .
ورَبَّ الضَيْعَةِ، أي أصلحها وأتَمَّها. ورَبَّ فلان ولده يَرُبُّهُ رَبَّاً، ورَبَّبَهُ، وتَرَبَّبَهُ، بمعنىً أي رَبَّاهُ. والمَرْبوبُ: المُرَبَّى).

2- وقال الأزهري في تهذيب اللغة بعد كلامه على مادّة "وله" :
( وقال أبو الهيثم: فالله أصلُه إلاَه، قال الله جل وعز: ((ماَ اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ، وماَ كانَ مَعَهُ مِنْ إلهٍ إذًا لذَهَبَ كلُّ إلهٍ بما خَلَقَ)) . قال: ولا يكون إلها حتى يكون معبودا وحتى يكون لعابده خالقاً، ورازقاً، ومدبِّرا، وعليه مُقتدِرا، فَمن لم يكن كذلك، فليس بإله، وإن عُبِد ظُلماً، بل هو مخلوق ومُتعبد.
قال: وأصل إله وِلاه. فقلبت الواو همزة كما قالوا: للوِشاح إشاح، وللوِجاج إجاج ومعنى وِلاَه أَنّ الخلق إليه يَوْلَهون في حوائجهم ، ويَفزعون إليه فيما يُصيبُهم ويفزعون إليه في كل ما يَنوبُهم كما يَوْلَه كلٌّ طِفْل إلى أمه.
وقد سَمَّت العربُ الشمسَ لما عَبَدُوها: إلاهة. وقال قُتيبة ابنُ الحارث اليَربوعيّ:
تَرَوَّحْنا من اللَّعْباءِ عَصْراً ... فَأَعْجَلْنَا الإلهةَ أَن تَؤُوباَ
وكانت العرب في جاهليّتها يَدعون مَعبُوداتهم من الأصنام والأوثان آلهة ، وهي جمعُ الإهة ) .

وقال عند "رب" :
(الرّبّ، هو الله تبارك وتعالى، هو رَبُّ كل شئ، أي مالكه، وله الرّبوبية على جميع الخلق لا شريك له.
ويقال: فلان رَبّ هذا الشيء، أي مِلْكه له. ولا يقال " الرّب " بالألف واللام، لغير الله. وهو رب الأرباب ، ومالك الملوك والأملاك. وكل من ملك شيئا فهو ربُّه. ((اذكُرْني عِند رَبِّك)) : أي عند مَلكك. يقال: هو رب الدابة، ورب الدّار. وفلانة ربة البيت. وهن ربات الحجال. وقال الأصمعي: يقال: رب فلان نحيَه يربه ربا، إذا جعل الرَّب ومتَّنه به. وهو نِخْى مَرْبوب. قال: والعرب تقول: لان يَرُبني فلان احَبّ إلي من أن يَرُبني فلان. يعني: أن يكون رَباً فوقي وسيدا يملكني . ورُوي هذا عن صفوان بن أمية انه قال يوم حُنين عند الجولة التي كانت بين المسلمين، فقال أبو سفيان: غَلَبت والله هوزان. فأجابه صفوان وقال: بفيك الكِثكِثُ، لان يَرُبّني رجل من قريش أحب إلي من أن يَرُبّني رجل من هوازن. ابن الأنباري : الرَّب: ينقسم على ثلاثة أقسام: يكون " الرَّب " : المالك؛ ويكون " الرَّب " السيد المطاع، فقال الله تعالى: ((فَيَسْقي ربَّه خمرا)) أي سيده؛ ويكون " الرَّب " المصلح ) .

3- قال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة عند "أله" :
( (أله) الهمزة واللام والهاء أصل واحد، وهو التعبُّد. فالإله الله تعالى، وسمّيَ بذلك لأنّه معبود. ويقال تألّه الرجُل، إذا تعبّد. قال رؤبة:
للهِ دَرُّ الغانِياتِ المُدَّهِ *** سَبَّحْنَ واستَرْجَعْنَ مِن تَأَلُّهِي
والإلاهة: الشَّمْس ، سمّيت بذلك لأنّ قوما كانوا يعبدونها. قال الشاعر: * فبادَرْنا الإلاهَة أنْ تؤوبا * )

وقال عند "رب" 
((رب) الراء والباء يدلُّ على أُصولٍ. فالأول إصلاح الشيءِ والقيامُ عليه . فالرّبُّ: المالكُ، والخالقُ، والصَّاحب. والرّبُّ: المُصْلِح للشّيء. يقال رَبَّ فلانٌ ضَيعتَه، إذا قام على إصلاحها. وهذا سقاء مربُوبٌ بالرُّبِّ. والرُّبّ للعِنَب وغيرِه؛ لأنّه يُرَبُّ به الشيء. وفَرَسٌ مربوب. قال سلامة :
ليسَ بأسْفَى ولا أقْنَى ولا سَغِلٍ *** يُسْقى دَواءَ قَفِيِّ السَّكْنِ مَرْبوبِ
والرّبُّ: المُصْلِح للشّيء. والله جلّ ثناؤُه الرَّبٌّ؛ لأنه مصلحُ أحوالِ خَلْقه. والرِّبِّيُّ: العارف بالرَّبّ. وربَبْتُ الصَّبيَّ أرُبُّه، وربَّبْتُه أربِّبُه. والرَّبيبة الحاضِنة. ورَبيبُ الرَّجُل: ابنُ امرأَتِه. والرَّابُّ: الذي يقوم على أمر الرَّبيب ) .

4- وقال ابن منظور في لسان العرب عند "أله"
( الإلَهُ الله عز وجل , وكل ما اتخذ من دونه معبوداً إلَهٌ عند متخذه , والجمع آلِهَةٌ , والآلِهَةُ الأَصنام سموا بذلك لاعتقادهم أَن العبادة تَحُقُّ لها , وأَسماؤُهم تَتْبَعُ اعتقاداتهم لا ما عليه الشيء في نفسه , وهو بَيِّنُ الإلَهةِ والأُلْهانيَّةِ .... قال ابن الأَثير: هو مأْخوذ من إلَهٍ وتقديرها فُعْلانِيَّة بالضم , تقول: إلَهٌ بَيِّنُ الإلَهيَّة والأُلْهانِيَّة , وأَصله من أَلِهَ يَأْلَهُ إذا تَحَيَّر , يريد: إذا وقع العبد في عظمة الله وجلاله وغير ذلك من صفات الربوبية وصَرَفَ وَهْمَه إليها أَبْغَضَ الناس حتى لا يميل قلبه إلى أَحد ) .

وقال عند "ربب" :
(الرَّبُّ يُطْلَق في اللغة على المالكِ والسَّيِّدِ والمُدَبِّر والمُرَبِّي والقَيِّمِ والمُنْعِمِ ) .

وخلاصة القول أن الإله يصدق على المعبود , والرب يطلق على : المالك , والصَّاحب, والمصلح والمتمم للشيء , والخالقُ، والمُدَبِّر , والمُرَبِّي , والقَيِّمِ , والمُنْعِمِ , والسَّيِّدِ .

ولا نغفل وجود تلازم بينهما , فإن الإله المعبود لا يصح أن يعبد إلا لوجود شيء من صفات الرب التي تميزه عن غيره من الموجودات , وهذا ظاهر في كلمات اللغويين السابقة , كما في قول الجوهري عن تسمية الأصنام بالآلهة : "سمَّوها بذلك لاعتقادهم أنَّ العبادة تَحُقُّ لها" , وكما في قول الأزهري : " ولا يكون إلها حتى يكون معبوداً , وحتى يكون لعابده خالقاً، ورازقاً، ومدبِّرا، وعليه مُقتدِرا، فَمن لم يكن كذلك، فليس بإله" .
ونبّه ابن منظور إلى أن من معاني "ألِه" : التحير , لوقوع "العبد في عظمة الله وجلاله وغير ذلك من صفات الربوبية" .


ب- اشتمال كل من كلمتي الرب والإله معنى الأخرى في اصطلاح الشرع

أما من ناحية الاصطلاح , فإن الشرع لم يفرق بين الرب والإله هذا التفريق اللغوي , فجاء استعمال الرب والإله في الآيات والأحاديث غالباً دون التفكيك بينهما تبعاً للمعنى اللغوي , وذلك لما بينهما من التلازم , فقد تأتي كلمة الرب بمعناها اللغوي مع اشتمالها لمعنى المعبود , وقد تأتي كلمة الإله بمعنى المعبود مع اشتمالها لمعنى الرب , فقد جاءت الكلمتان في الاطلاق الاصطلاحي تشمل كل منهما معنى الأخرى , وذلك لما بينهما من التلازم .

وقد قال مؤسس الوهابية محمد بن عبد الوهاب في "الرسالة الثانية من رسائله الشخصية" :
( فاعلم أن الربوبية والألوهية يجتمعان ويفترقان كما في قوله : ((قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس)) ، وكما يقال : ((رب العالمين وإله المرسلين))، وعند الإفراد يجتمعان كما في قول القائل : ((من ربك)) ، مثاله الفقير والمسكين نوعان في قوله : (( إنما الصدقات للفقراء والمساكين)) ، ونوع واحد في قوله : ((افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد إلى فقرائهم)) .
إذا ثبت هذا فقول الملكين للرجل في القبر : "من ربك؟" ، معناه من إلهك! ، لأن الربوبية التي أقر بها المشركون ما يمتحن أحد بها ..!!
وكذلك قوله : ((الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله))...
وقوله: ((قل أغير الله أبغي رباً))
وقوله : ((إن الذين قالوا ربّنا الله ثم استقاموا)) ..
فالربوبية في هذا هي الألوهية!! , ليست قسيمة لها كما تكون قسيمة لها عند الاقتران , فينبغي التفطن لهذه المسألة) .

فهو يقرر بأن الرب والإله من الألفاظ التي إذا اجتمعت في موضع واحد , كانت كلّ كلمة منهما دالّة على معناها الأصلي فقط كما في سورة الناس , أما إذا افترقتا في الموضع فإن كل واحدة منها تدلّ على معنى الأخرى كما في سؤال القبر! , ومثّل لذلك بكلمتي الفقير والمسكين!!

وفي الحقيقة أن كثيراً من الألفاظ تجتمع وتفترق كالفقير والمسكين , والإسراء والمعراج , والخوف والحزن , والسيئة والفاحشة , إلا أنّ ابن عبد الوهاب قد فهم ذلك فهماً خاطئاً عندما فسّر الرب في سؤال المَلَكين بالإله , إذ إنّه يرى أنّ معنى كلمة الرب فقدت معناها الأصلي لتصبح بمعنى الإله , لا أنها بقيت على معناها واشتملت على معنى الإله , وذلك لأنه يرى أن النبي –ص- لم يبعث إلا إلى دعوة الناس إلى توحيد الألوهية , وأما توحيد الربوبية فقد أقر به المشركون فلم يدعهم النبي –ص- إليه , لأن ذلك تحصيل حاصل وتحصيل الحاصل عبث , ومن اللغو وعدم الفائدة أن يتكلم معهم ويدعوهم إلى أمر هم مقرون به , "ولا يمتحن به أحد" كما قال .

وقول العلماء عن كلمتين بأنهما تجتمعان وتفترقان , لا يعنى أن كلاً منهما تفقد معناها إلى معنى الأخرى عند الافتراق , بل تصبح بمعنى يعم الكلمتين , ومن الأمثلة على ذلك :

الحزن والخوف , قال الألوسي في تفسيره(1) : (ولا يخفى أنه إذا قلنا أن الخوف والحزن متقاربان , فإذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا كما علمت آنفاً , كان النهي عن الحزن نهياً عن الخوف أيضاً ) .

المسكين والفقير , قال الألوسي في تفسيره(2) : (والمراد بالمسكين ما يعم الفقير ، وقد قالوا : المسكين والفقير إذا اجتمعا افترقا وإذا اقترفا اجتمعا ) .
وجاء في شرح مختصر خليل للخرشي (3) : ( (قَوْلُهُ : مِسْكِينًا ) أَرَادَ بِهِ مَا يَعُمُّ الْفَقِيرَ لِأَنَّهُمَا إذَا افْتَرَقَا اجْتَمَعَا وَإِذَا اجْتَمَعَا افْتَرَقَا) .
وجاء في حاشية الصاوي على الشرح الصغير (4) : (بَلْ بَيْنَهُمَا تَبَايُنٌ حَيْثُ ذُكِرَا مَعَ بَعْضِهِمَا , وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ إذَا اجْتَمَعَا افْتَرَقَا ، بِخِلَافِ مَا لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى : {فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} ، فَالْمُرَادُ بِهِ مَا يَشْمَلُ الْفَقِيرَ , وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ وَإِذَا افْتَرَقَا اجْتَمَعَا) .

لكن الوهابية يحملون الربوبية على الألوهية كما مرّ في كلام مؤسسهم عن سؤال الملكين , وعن قوله تعالى : ((الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله)) وقوله: ((قل أغير الله أبغي رباً)) وقوله : ((إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا)) , ولا يقولون بمعنى يشملهما معاً في هذه النصوص , وذلك لاعتقادهم بتوحيد المشركين في الربوبية توحيداً كاملاً , فلم يدعهم القرآن ولا النبي –ص- إلى الربوبية لأنها حاصلة عندهم .

لكن يلزم من هذا الفهم أن يكون المقصود من جميع النصوص التي ذكرت الألوهية هو الربوبية! , وهم لا يسلّمون بذلك لأنهم لا يرون العلاقة بين الربوبية والألوهية كالتلازم الروح والبدن , بل يعتقدون بوجود توحيد الربوبية عند المشركين مع انتفاء توحيد الألوهية , ومن هذه النصوص التي أفردت الألوهية والتي يلزم الوهابية أن يحملوها على الربوبية قوله تعالى :

- { وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ } البقرة: ١٦٣
فيكون معناها : وربكم رب واحد , لا رب إلا هو..

-{ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ } البقرة: ٢٥٥
فيكون معناها : الله لا رب إلا هو ..

- وقال تعالى : { لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } الأعراف: ١٥٨
فيكون المعنى : لا رب إلا هو يحي ويميت .

- وقال تعالى : { وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ } آل عمران: ٦٢

- وقال تعالى : { إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ } النحل: ٢٢


فيكون معنى الإله في جميع هذه الآيات وغيرها هو الرب , ويكون معنى كلمة التوحيد : لا رب إلا الله!! والوهابية يخالفون ذلك أشد المخالفة , مع أن المؤمن بالربوبية إيماناً تامّا لن يشرك في الألوهية لتلازمها كما قدّمنا , إلا أن الوهابية يرون أنّ الأنبياء لم يخاصموا أقوامهم في الربوبية ولم يقوموا بدعوتهم إليها , وأن كلمة التوحيد لا تدعو إلا توحيد الألوهية دون الربوبية , وأن النبي –ص- لم يقاتل الجاهليين ولم يسبِ نسائهم ولم يقتل رجالهم إلا لشركهم في الألوهية , فقد قال ابن باز في فتاواه (ج2-ص42) : 
(... لأن الخصومة بين الرسل والأمم في توحيد العبادة ، وإلا.. فالأمم! تقر بأن الله ربها وخالقها ورازقها ، وتعرف كثيراً من أسمائه وصفاته ، ولكن النزاع والخصومة من عهد نوح إلى يومنا هذا في توحيد الله بالعبادة ) .

وقال في في فتاواه (ج2-ص 5-6) : 
( فقد اطلعت على الكلمة التي كتبها أخونا في الله العلامة الشيخ عمر بن أحمد المليباري في معنى لا إله إلا الله ، وقد تأملت ما أوضحه فضيلته في أقوال الفرق الثلاث في معناها . وهذا بيانها : الأول : لا معبود بحق إلا الله . الثاني : لا مطاع بحق إلا الله . الثالث : لا رب إلا الله . والصواب : هو الأول , كما أوضحه فضيلته..) .

فلم يقل أن الصواب هو اشتمالها على الكل , بل حصر معناها في الألوهية دون الربوبية .

وسبق تصريحه بأن المشركين مقرون بكمال الله تعالى في ذاته وفي أسمائه وفي صفاته وفي أفعاله وبأنه لا شبيه له ولا ند له ولا مثيل له .

ولو حملنا الألوهية في النصوص السابقة على الربوبية والألوهية معاً , فقلنا بأن معنى "لا إله إلا الله" التي دعا إليها النبي –ص- وخاصم عليها المشركين , تعني أنه لا رب ولا معبود بحق إلا الله , فسيكون ذلك نقضاً لاعتقاد الوهابية بأن كلمة التوحيد لا تتضمن إلا الألوهية! , وأن معناها لا معبود بحق إلا الله فقط , وأن الأنبياء لم يخاصموا أقوامهم إلا في العبادة , فقد قال صالح الفوزان في شرحه لكشف الشبهات عند شرحه : "وهذا التوحيد هو معنى قولك : لا إله إلا الله" :
( أي : معنى لا إله إلا الله : هو توحيد الألوهية لا توحيد الربوبية! , لأنه لو كان معناها توحيد الربوبية لما قال الرسول –صلى  الله عليه وسلم- للمشركين : "قولوا لا إله إلا الله" , لأنهم يقولون إن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت , وإنه حينئذ يطلب منهم ما هو تحصيل حاصل , ويقاتلهم على شيء يعترفون به ويقرون به , وهذا القول باطل) .

إذن عند هؤلاء الوهابية تكون كلمة التوحيد التي دعا إليها النبي –صلى الله عليه وسلم- أهلَ الجاهلية لا تتضمن الربوبية , وإلا لكان النبي –ص- دعاهم إلى الربوبية أيضاًً , ودعوته إلى أمر هم مؤمنون به تحصيل حاصل , وهذا القول باطل كما قال الفوزان!

إلا أنّ هذه الفكرة تناقض ما قاله من أنّ الإله إذا ذكر دخل فيه معنى الرب!! إذ يلزم من ذلك أن تدخل الربوبية في كلمة التوحيد , فيكون النبي –ص- عندما دعا إلى كلمة التوحيد دعا المشركين إلى الألوهية والربوبية معاً! ويكون معنى لا إله إلا الله هو توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية , لا كما قال أن معناها توحيد الألوهية لا توحيد الربوبية , ولذلك تراهم يعرفون التوحيد بتوحيد الألوهية , فقد قال محمد بن عبد الوهاب في بداية "كشف الشبهات" :
( اعلم –رحمك الله- أن التوحيد هو : إفراد الله –سبحانه- بالعبادة ) .


أما أهل السنة فيعرفون التوحيد بكلا القسمين , ففي هداية المريد لجوهرة التوحيد قال : 
( والمراد بالتوحيد هنا الشرعي , وهو : إفراد المعبود بالعبادة مع اعتقاد وحدته ذاتاً وصفاتٍ وأفعالاً ) (5)

فانظر كيف حمل الوهابية نصوص الربوبية على الألوهية , ولمّا جاؤوا إلى نصوص الألوهية لم يحملوها على الربوبية! بل قصروها على الألوهية , ولم يحملوها على كليهما معاً على الأقل .


--------منقوول منتدى الأصلين ------------------------------------------------
1- عند تفسير الآية 65 من سورة يونس .
2 - عند تفسير الآية 4 من سورة المجادلة .
3 - باب الظهار .
4 - فصل مصرف الزكاة .
5-هداية المريد لجوهرة التوحيد , ج1-ص 83 , ط1 دار البصائر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق