Sheikh Fawzy Mohamed Abuzeid

Loading...

الأحد، 23 أبريل، 2017

العبادة في اللغة والاصطلاح وقيود العبادة

العبادة في اللغة والاصطلاح




إن جميع المسلمين متفقون على أنّ العبادة مختصة بالله تعالى , ومن صرفها لغيره كان مشركاً خارجاً عن دائرة الإسلام , ولا يكون المسلم مسلماً إلا بعد تسليمه بذلك , وخلافنا مع الوهابية ليس في شرك من صرف العبادة لغير الله تعالى , بل في تحديد أفراد العبادة وما تنطبق عليه العبادة الاصطلاحية , فلذلك لا بد من تعريف العبادة تعريفاً جامعاً مانعاً , يجمع أفرادها ويمنع أفراد غيرها من الدخول فيها , ليتم لنا بعد ذلك الحكم الصحيح على بعض الأفعال التي عدّها الوهابية داخلة في العبادة اصطلاحية , وخالفهم في ذلك بقية المسلمين , فأقول مستعيناً بالله تعالى :

العبادة من حيث اللغة هي الخضوع واالتذلل والطاعة , جاء في المخصص عند "العبادة" ج3 :
( أصل العبادة في اللغة التّذليل من قولهم: طريق مُعَبَّد: أي مُذّلَّل... , والعبادة والخضوع والتّذلل والاستكانة قرائب في المعاني ) .

وجميع التعريفات اللغوية تدور حول هذه المعاني السابقة ..

لكنّ الخضوع والتذلل لا يصح أن يكون تعريفاً اصطلاحياً للعبادة , فقد أُمِرنا بالطاعة والخضوع لكثير من أصحاب الحقوق علينا.. كالنبي –صلى الله عليه وسلم- والوالدين , فلو كان مجرد التذلل والطاعة عبادةً لكان الشرع قد أمرنا بالشرك! والشرع لا يأمر بالفحشاء .

أمّا العبادة من حيث الاصطلاح , فقد عرّفها بعض العلماء تعريفاً اصطلاحياً يغلب عليه التعريف اللغوي , إلا أنّ التعريف اللغوي لا يصلح أن يكون حداً للعبادة الاصطلاحية , لورود كثير من الإشكالات عليه , فقد عرّف التهانوي العبادةً في "كشاف اصطلاحات الفنون" قائلاً :
( والطاعة أعمّ من العبادة , لأنّ العبادة غلب استعمالها في تعظيم اللّه تعالى غاية التّعظيم، والطّاعة تستعمل موافقة أمر اللّه تعالى وأمر غيره. والعبودية إظهار التّذلّل.
والعبادة أبلغ منها لأنّها غاية التّذلّل , والطّاعة فعل المأمور ولو ندبا، و ترك المنهيّات و لو كراهة. فقضاء الدّين والإنفاق على الزوجة و نحو ذلك طاعة اللّه، و ليس بعبادة. وتجوز الطاعة لغير اللّه في غير المعصية، و لا تجوز العبادة لغير اللّه تعالى.
و القربة أخصّ من الطّاعة لاعتبار معرفة المتقرّب إليه فيها، و العبادة أخصّ منهما. هكذا في كليات أبي البقاء ) .

فقد فرّق بين العبادة , والطاعة , والقربة , فكل عبادة وقربة طاعة , وكل عبادة طاعة وقربة , فلا بد للطاعة من فعل المأمور أو ترك المنهي , أمّا القربة فلا بد لها حتى تكون قربة أن يُعرف المتقرب فيها أيضاً , وأمّا العبادة فلا بد للفعل حتى يكون عبادة من التذلل .

إلا أن الإشكال هنا يكمن في وجود بعض الأفعال التي تدخل تحت التذلل ومعرفة من يتذلل إليه , لكنها لا تعتبر عبادة , فقد يأمر السجّانُ الأسيرَ بالسجود على الأرض , فيفعل الأسير ذلك لكنّه لا يعتبر عابداً للسجان , وقد يُقبّل الولدُ قدمَ والده –وهذا غاية في التذلل- لكنّه لا يعتبر عابداً له , وقد سجد الملائكةُ لسيدنا آدم لكنّهم لم يعبدوه , وقد سجد إخوة سيدنا يوسف وأبويه له لكنّهم لم يعبدوه , فتعريف العبادة بغاية التذلل لا يمنع دخول الأغيار فيها , فلا بد من قيد جامع مانع من دخول غير العبادة في حدّها .
التعريف الاصطلاحي للعبادة :

تطلق العبادة ويراد بها معنيان :

أ- المعنى المصدري : وهو نفسُ فعل التعبّد, أي فعلُ العابد للعبادة .

ب- المعنى الاسمي : وهي المفعول من فعل التعبّد , فتكون العبادة بالمعنى الاسمي هي الأفعال المتعبّد بها كالسجود والطواف والدعاء , فالفعل الذي يصح وقوعه على وجه التعبّد يُسمى عبادة .


أ- العبادة بالمعنى المصدري :


إنّ الخضوع والتذلل لا يكون تعبّدًا بهذا المعنى إلا إذا تحقق فيه أحد قيدين :

القيد الأول من قيود العبادة :
اعتقاد شيء من خواص الربوبية في المخضوع له :

وهذا يتضّح من الآيات التي فصّلت عقيدة المؤمنين وعبادتهم , وعقيدة المشركين وعبادتهم , إذ يتبيّن من خلال استعراضهما أن المؤمن يعبد الله تعالى عبادة نابعة من اعتقاده بأنه تعالى ينصره , قال تعالى : ((وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ)) - آل عمران: 126 .

أمّا المشرك فيعبد الوثن عبادة نابعة من اعتقاده بأنّه ينصره ..

قال تعالى : ((وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ)) - يس: 74

والمؤمن يعبد الله تعالى عبادة نابعة من اعتقاده بأنه تعالى يحفظه ويمنعه ...
قال تعالى : ((فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)) - يوسف: 64
أمّا المشرك فيعبد الوثن عبادة نابعة من اعتقاده بأنّه يحفظه ويمنعه ...
قال تعالى : ((أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا)) - الأنبياء: 43 .

والمؤمن يعبد الله تعالى عبادة نابعة من اعتقاده بأنه تعالى ينفع ويضر ..
قال تعالى : ((وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) - الأنعام: 17
أمّا المشرك فيعبد الوثن عبادة نابعة من اعتقاده بأنّه ينفع ويضر , فقد قالوا لسيدنا هود –عليه السلام- كما أخبر القرآن الكريم :
((إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ )) - هود:54 .

والمؤمن يعبد الله تعالى عبادة نابعة من اعتقاده بأنّه تعالى وليُّه ...
قال تعالى : ((فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ)) - الشورى: 9
أمّا المشرك فيعبد الوثن عبادة نابعة من اعتقاده بأنّه وليُّه ...
قال تعالى : ((وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ )) - الشورى: 6

والمؤمن يعبد الله تعالى عبادة نابعة من اعتقاده بأن الله تعالى يعز ويذل..
قال تعالى : ((إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا )) - يونس: 65
أمّا المشرك فيعبد الوثن عبادة نابعة من اعتقاده بأنه يعز ويذلّ ..
قال تعالى : ((وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا )) - مريم:81

والمؤمن يعبد الله تعالى عبادة نابعة من اعتقاده بأنّه تعالى يرزقه ..
قال تعالى : ((قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)) - سبأ: 36
أمّا المشرك فيعبد الوثن عبادة نابعة عن اعتقاده بأنّه يرزقه ..
قال تعالى : ((إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ)) - العنكبوت: 17

والمؤمن يعبد الله تعالى عبادة نابعة عن محبته إياه , والمشرك يعبد الوثن عبادة نابعة عن محبته إياه ...
قال تعالى : ((وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ)) - البقرة: 165

والمؤمن يعبد ربّه عبادة نابعة من خوفه إياه ..
قال تعالى : ((وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ)) - الرحمن: 46 .
أمّا المشرك فيعبد الوثن عبادة نابعة من خوفه إياه ..
قال تعالى : ((وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ )) - الزمر: 36

والمؤمن يعبد ربّه عبادة نابعة من اعتقاده بأنّه تعالى ينزّل الغيث , والمشرك يعبد الوثن عبادة نابعة من اعتقاده بأنّه ينزل الغيث , فقد روى البخاري ومسلم عن عن زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِىِّ أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ص- صَلاَةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلَةِ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ « هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ » . قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ « أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِى مُؤْمِنٌ بِى وَكَافِرٌ ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِى وَكَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِى وَمُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ » .


فاعتقاد الإنسان بوجود موجود يضر وينفع ويعطي ويمنع , يدفعه فطرياً للتقرب من هذا الموجود وعبادته , فعلمه بمصدر للتصرف والتدبير يقودانه لتعظيم ذلك المصدر ورؤية استحقاقه للتعظيم والخضوع , فهذا التعظيم والخضوع المقصود , النابع عن العلم بتصرف المعبود وقدراته هو (العبادة) , فأي خضوع نابع عن اعتقاد خاصيّة من خصائص الربوبية يعتبر (عبادة) .

فإن كان التعظيم والخضوع ليس نابعاً عن اعتقاد شيء من ذلك فلا يعتبر عبادة , بل يعتبر تكريماً وتعظيماً , وقد تكون مظاهر هذا التكريم والتعظيم مباحة وقد تكون محرّمة , إلا أنّه لا يعتبر عبادة على كلّ حال , فمن التكريم المباح سجود الملائكة لسيدنا آدم –عليه السلام- , وسجود إخوة سيدنا يوسف وأبويه له , ومن التكريم المباح أن النبي –صلى الله عليه وسلم- ما تنخم نخامة إلا وقعت في كفّ رجل من الصحابة فدلك بها وجهه , وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده , ومن التكريم المباح تقبيل الولد أرجل والديه , فهذا التعظيم والخضوع والتذلل ليس عبادة لأنه ليس نابعاً عن اعتقاد الربوبية ولا قُصِد به التعبد , ومن التعظيم والخضوع المحرم السجود للنبي – صلى الله عليه وسلم- كما سجد إخوة يوسف ليوسف –عليه السلام- , إذ إنّ ذلك منسوخ في شريعتنا , إلا أنّه ليس بشرك .

وقد حاول بعض الوهابية القول بأنّ سجود الملائكة لآدم – عليه السلام- وسجود إخوة سيدنا يوسف وأبويه له ليس عبادة , لأنّ الله تعالى أمرهم بذلك , ولو كان سجودهم دون أمر الله لكان فعلهم عبادة حتى وإن قصدوا التكريم!!
وهذا من أبرد التأويلات وأركّها , بل هو تعدٍّ على الله تعالى وقولٌ بأنّه يأمر بالشرك , فإذا كان مجرّد السجود عبادة ذاتية –وهو ما لا يتغير عن كونه عبادة باعتقاد- وقد أمر الله تعالى بالسجود لآدم , فإنّ ذلك يعني أنّ الله تعالى أمر بعبادة غيره , وأنّ الشرك بالله وعبادة غيره لمّا كانت بأمره تعالى لم تكن شركاً! وهذا من أبطل الباطل , فإنّ الله تعالى لا يأمر بعبادة غيره , قال تعالى: "إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ ما لا تَعْلَمُونَ" (الاَعراف|28).
فلو كان السجود عبادة ذاتية لما أمر الله تعالى بأدائه لغيره , فإن أداء العبادة الذاتية للمخلوق شرك على كلّ حال , والقول بأنّ الله تعالى أمر بالسجود لغيره مع القول بأنّه عبادة ذاتية , فيه اتهام لله تعالى بالأمر بالشرك , تعالى الله عمّا يقول الظالمون .القيد الثاني من قيود العبادة:
اعتقاد الإلهية في المخضوع له

بيّن القرآن الكريم أنّ المشركين خضعوا لأصنامهم باعتقاد أنّها آلهة , وقد كانوا يصرحون بأنهم اتخذوها آلهة لهم , والخضوع لمخلوق باعتقاد أنه إله عبادة له , فقد قال تعالى عنهم : ((وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ)) يس 74 .

وأخبر القرآن الكريم أنّ المشركين اعتقدوا الألوهية في أصنامهم , فقال تعالى : ((أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ)) الأنعام 19 .

وأنهم استنكروا وحدانية الإله , قال تعالى : ((أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ)) ص 5 .

فهذه الآيات دالة على أنّ خضوع المشركين لأصنامهم كان باعتقادهم ألوهيتها العبادة بالمعنى الاسمي :


إذا نظرنا إلى بعض الأفعال -كالسجود والطواف مثلا- وجدنا أنّها يمكن أن تقع على وجه العبادة ويمكن أن تقع على غير وجه العبادة , فليست أفعالًا متعبّدًا بها في كلّ حال , ولا يُعتبر أداؤها لغير الله تعالى عبادة له وشركًا بالله في كلّ حال , فقد سجد الملائكةُ لسيدنا آدم ولم يشركوا بالله تعالى , وسجودهم هذا لم يكن تعبّدًا لغير الله تعالى , فهناك قيدٌ يجعل هذا الفعل -الذي يصح أن يقع كعبادة- عبادةً أو غير عبادة , وهذا القيد يتّضح عند تَأمُّل بعض الأعمال المشتركة في الصورة مع اختلافها في الحكم , فقد يقوم الجندي بين يدي رئيسه ساعات وساعات امتثالاً لأمره وحبّاً له وتأدباً معه , لكنّ هذا القيام لا يعتبر عبادة للرئيس , ويقوم المصلي بين يدي ربّه بضعَ دقائق فيكون هذا القيام عبادة لله تعالى , وقد سجد الملائكة لسيدنا آدم عليه السلام لكنّ سجودهم لم يكن عبادة له , وقد سجد عبّاد الشمس للشمس فكان سجودهم عبادة لها , وقد يسجد المسجون بين يدي سجّانه ولا يكون سجوده عبادة , وقد يسجد قارئ القرآن سجود تلاوة ويكون سجوده عبادة , وقد يذبح المؤمن شاةً في عيد الأضحى فيكون ذبحه عبادة لله , وقد يذبح الوثني شاةً في عيدهم فيكون ذبحه عبادة للوثن , وقد يمسك رجل عن الطعام في رمضان من الفجر حتى المغرب فيكون إمساكه عبادة , وقد يمسك مريض عن الطعام من الفجر حتى المغرب استطباباً فلا يكون ذلك عبادة , وقد يستغيث ولدٌ بوالده في قضاء دينه ولا يكون فعله عبادة , وقد يستغيث هندكي بسيّده في قضاء دينه ويكون فعله عبادة , وقد يلوذ جندي بحجر كبير عند الخوف ولا يكون فعله عبادة , وقد يلوذ وثني بالصنم عند الخوف ويكون فعله عبادة , وقد يطوف المسلم حول الكعبة في الحج فيكون طوافه عبادة , وقد يطوف حول الكعبة باحثاً عن حاجة أضاعها ولا يكون طوافه عبادة , وقد يسعى المسلم بين الصفا والمروة في الحجّ فيكون سعيه عبادة , وقد يسعى بين الصفا والمروة لملاقاة شخص يعرفه ولا يكون سعيه عبادة , فهذه الأعمال متشابهة في الصورة والظاهر , فما الذي جعل بعضها عبادة لله تعالى وبعضها عبادة لغيره؟ وما الذي جعل بعضها عبادة وبعضها ليس عبادة؟

من الواضح بأدنى تأمّل أنّ ما جعل سجود الملائكة لآدم تكريماً وجعل سجود الصابئة للشمس عبادة , هو اختلاف القصد والنيّة , فالملائكة لم تسجد لآدم بقصد التعبّد , بخلاف الصابئة الذين سجدوا للشمس بقصد عبادتها , وهذه "النية" هي ما فرّق بين جميع الأعمال السابقة المتشابهة ظاهراً في كون أحدها عبادة والآخر ليس عبادة , فوقوف الجندي أمام قائده ساعات ليس عبادةً لأنّه لم يقصد التعبّد , ووقوف هذا الجندي في الصلاة لبضع دقائق عبادةٌ لأنه قَصَدَ التعبّد , وإمساك الرجل عن الطعام في رمضان عبادة لأنه قصد بذلك التعبّد , وإمساك الرجل عن الطعام للاستطباب ليس عبادة لأنّه لم يقصد التعبّد , واستغاثة الولد بوالده ليعينه في قضاء دينه ليست عبادة لأنه لم يقصد التعبّد , واستغاثة الهندكي بسيّده في قضاء دينه عبادة لأنه قصد التعبّد , وهكذا ... 

ولذلك قال الشاطبي في الموافقات (3ج/7-9) :
( المسألة الأولى : إن الأعمال بالنيات والمقاصد معتبرة في التصرفات من العبادات والعادات والأدلة على هذا المعنى لا تنحصر . 
ويكفيك منها أن المقاصد تفرق بين ما هو عادة وما هو عبادة ، وفي العبادات بين ما هو واجب وغير واجب ، وفي العادات بين الواجب والمندوب والمباح والمكروه والمحرم والصحيح والفاسد وغير ذلك من الأحكام ، والعمل الواحد يقصد به أمر فيكون عبادة ، ويقصد به شيء آخر فلا يكون كذلك ، بل يقصد به شيء فيكون إيمانا ، ويقصد به شيء آخر فيكون كفرا كالسجود لله أو للصنم . 
وأيضا فالعمل إذا تعلق به القصد تعلقت به الأحكام التكليفية ، وإذا عري عن القصد لم يتعلق به شيء منها كفعل النائم والغافل والمجنون . )

فالقيد الذي يجعل الفعل عبادة هو ( نية التعبّد ) , فإذا خلا من هذا القيد فلا يعتبر عبادة , وهذا ما يمنع دخول أي فعل ليس بعبادة في تعريف العبادة , وقد نظمه بعضم عندما فرّق بين العبادة والقربة والطاعة بقوله (كما في حاشية البجيرمي على الخطيب) :

وَطَاعَةٌ بِالِامْتِثَالِ كَالنَّظَرِ == وَقُرْبَةٌ مِنْ عَارِفِ رَبِّ الْبَشَرِ
عِبَادَةٌ لِنِيَّةٍ مُفْتَقِرَهْ == حَقَائِقُ الثَّلَاثِ جَاءَتْ شُهْرَهْ

فالطاعة هي مجرد امتثال الأمر , والقربة لا بد لمعرفة المتقرب إليه فيها , أمّا العبادة فلا بد لها من نيّة التعبد وإلا لم تكن عبادة , فكل فعل فيه تذلل بنيّة التعبّد فهو عبادة , أما إن خلا الفعل عن قصد التعبّد فلا يصح أن يطلق عليه أنّه عبادة .

وتعريف العبادة عند كثير من العلماء يدلّ على ذلك , وإليك بعض أقوالهم :

- قال العلامة الجمل في حاشيته :
( ( فَائِدَةٌ ) فِي شَرْحِ الْمُنْفَرِجَةِ لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ:
الْعِبَادَةُ : مَا تُعُبِّدَ بِهِ بِشَرْطِ النِّيَّةِ وَمَعْرِفَةِ الْمَعْبُودِ , وَالْقُرْبَة : مَا تُقُرِّبَ بِهِ بِشَرْطِ مَعْرِفَةِ الْمُتَقَرَّبِ إلَيْهِ , وَالطَّاعَةُ غَيْرُهُمَا ؛ لِأَنَّهَا امْتِثَالُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ . قَالَ وَالطَّاعَةُ تُوجَدُ بِدُونِهِمَا فِي النَّظَرِ الْمُؤَدِّي إلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ , إذْ مَعْرِفَتُهُ إنَّمَا تَحْصُلُ بِالنَّظَرِ , وَالْقُرْبَةُ تُوجَدُ بِدُونِ الْعِبَادَةِ فِي الْقُرَبِ الَّتِي لَا تَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ كَالْعِتْقِ وَالْوَقْفِ. انْتَهَى .
وَوُجِدَ بِخَطِّ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ بَعْدَ نَقْلِهِ لِكَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ الْمَذْكُورِ مَا نَصُّهُ : فَظَهَرَ أَنَّ بَيْنَ الثَّلَاثِ تَبَايُنًا بِحَسَبِ الْمَفْهُومِ ، وَأَمَّا بِحَسَبِ التَّحَقُّقِ فَبَيْنَ الطَّاعَةِ وَكُلٍّ مِنْ الْعِبَادَةِ وَالْقُرْبَةِ عُمُومٌ مُطْلَقٌ , فَكُلُّ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ عِبَادَةٌ أَوْ قُرْبَةٌ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ طَاعَةٌ وَلَا عَكْسَ , فَالطَّاعَةُ أَعَمُّ مِنْ الثَّلَاثَةِ , وَالْعِبَادَةُ أَخَصُّهَا , وَالْقُرْبَةُ أَعَمُّ مِنْ الْعِبَادَةِ وَأَخَصُّ مِنْ الطَّاعَةِ فَهِيَ أَوْسَطُهَا ا هـ فَتَدَبَّرْ ) .

- وفي حاشية قليوبي وعميرة :
(وَالطَّاعَةُ فِعْلُ الْمَأْمُورَاتِ وَلَوْ نَدْبًا وَتَرْكُ الْمَنْهِيَّاتِ وَلَوْ كَرَاهَةً ، وَأَخُصُّ مِنْهَا الْقُرْبَةَ لِاعْتِبَارِ مَعْرِفَةِ الْمُتَقَرَّبِ إلَيْهِ فِيهَا , وَالْعِبَادَةُ أَخَصُّ مِنْهُمَا مَعًا لِأَنَّهَا يُعْتَبَرُ فِيهَا النِّيَّةُ ) .

- وفي حاشية العدوي :
([ قَوْلُهُ : عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ ] الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ ، وَعَبَّرَ بِهِ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ النِّيَّةُ ؛ لِأَنَّ الْقُرْبَةَ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ بِشَرْطِ مَعْرِفَةِ الْمُتَقَرَّبِ إلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ لِنِيَّةٍ ، وَالطَّاعَةُ امْتِثَالُ الْأَمْرِ ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ الْمَأْمُورُ ، وَالْعِبَادَةُ امْتِثَالُ الْأَمْرِ مَعَ مَعْرِفَةِ الْآمِرِ وَمَعَ النِّيَّةِ ) .

- وفي شرح مختصر خليل :
( قَوْلُهُ : (مِنْ أَفْضَلِ الطَّاعَاتِ ) أَيْ الطَّاعَةِ الْمَنْدُوبَةِ بَلْ هُوَ أَفْضَلُ الطَّاعَاتِ لِتَعَدِّي نَفْعِهِ ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ النَّفْعِ الْقَاصِرِ , خَلَا الْأَوْقَاتِ الَّتِي تُطْلَبُ فِيهَا الرَّوَاتِبُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ بَعْضِ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ , حَيْثُ قَالَ : يَنْبَغِي لِطَالِبِ الْعِلْمِ أَنْ يُدِيمَ عَلَى الرَّوَاتِبِ , وَالطَّاعَةُ هِيَ امْتِثَالُ الْأَمْرِ عَرَفَ الْمُطَاعُ أَوْ لَا كَالنَّظَرِ الْمُؤَدِّي لِمَعْرِفَتِهِ , وَالْقُرْبَةِ هِيَ مَا تَوَقَّفَ عَلَى مَعْرِفَةِ الْمُتَقَرَّبِ إلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَى نِيَّةٍ كَالْعِتْقِ , وَالْعِبَادَةِ مَا تَوَقَّفَ عَلَى مَعْرِفَةِ الْمَعْبُودِ وَالنِّيَّة ) .

- وقال ابن علان دليل الفالحين :
( أي زوجته ومستولدته (وأولاده المميزين) المراد منهم ما يشمل بناته المميزات والتذكير للتغليب وشرف الذكور (وسائر من في رعيته) من العبيد والإماء (بطاعة الله تعالى) أي امتثال أمره ونهيه وهي غير العبادة والقربة، والعبادة: ما تعبد به بشرط النية ومعرفة المعبود، والقربة: ما تقرّب به بشرط معرفة المتقرّب إليه، فالطاعة توجد بدونها في النظر المؤدي إلى معرفةالله، إذ معرفته إنما تحصل بتمام النظر، والقربة توجد بدون العبادة في القرب التي لا تحتاج إلى نية كالعتق والوقف، كذا في الأضواء البهجة)

يتبيّن من نصوص العلماء السابقة أنه لا بد من التفريق بين "الفعل العبادي" مجرداً وبين "الفعل العبادي" بقصد التعبد , وأعني بالفعل العبادي ما يمكن أن تظهر فيه العبادة ويمكن أداؤه تقرباً إلى الله وصحّ أن يكون أداؤه عبادة , فأداء الفعل العبادي لغير الله -كالطواف مثلا- بقصدٍ آخر غير قصد التعبّد لا يكون شركاً , أما أداؤه بقصد التعبد لغير الله تعالى فيعتبر شركاً , ومن المعلوم أن أجلى الأفعال العبادية هو السجود , فمن سجد لغير الله تعالى دون قصد التعبّد فلا يعتبر مشركاً , كما في سجود الملائكة لسيدنا آدم عليه السلام , أمّا أداؤه لغيره تعالى بقصد التعبد فهو شرك وصرف للعبادة لغيره سبحانه , فالذي يجعل صرف الفعل لغير الله تعالى شركاً أو لا , هو نية التعبّد بهذا الفعل , وقد بيّنتُ سابقًا أنّ التعبّد هو الخضوع باعتقاد الألوهية أو شيء من خواص الربوبية في المخضوع له .

فيتبيّن مما سبق أن الخضوع حتى يكون عبادة لا بد من ملازمته أحد القيود التالية :
أولاً: الاعتقاد بشيء من خواص الربوبية . 
ثانياً: الاعتقاد بألوهية المخضوع له .
ثالثاً: نية التعبّد . 

فإن خلا الخضوع من أحد هذه القيود لم يكن عبادة , وعلى هذا يمكن تعريف العبادة على أنّها : 
- الخضوع باعتقاد خواص الربوبية في المخضوع له , أو :
- الخضوع باعتقاد الألوهية في المخضوع له , أو :
- الخضوع بقصد التعبّد للمخضوع له .


وفي الحقيقة أنني وجدت التعريف الأولَ والثالث يرجعان إلى التعريف الثاني..
وذلك لأنّ التعريف الأول هو الخضوع باعتقاد ألوهية المخضوع له , فيُقال : إن كانت الألوهية هي كونه إلها , فما معنى الإله؟ فإن قيل أن معناه هو المعبود , فيُقال : ما هي العبادة حتى نعرف معنى المعبود؟ فنرجع إلى البحث عن معنى التعبّد أيضًا .
والتعريف الثالث هو الخضوع بنية التعبد للمخضوع له , فيُقال : ما هو التعبّد المَنْوِي هذا؟ فنرجع إلى البحث عن معنى التعبّد!

أي أن العبادة هي : الخضوع باعتقاد شيء من خصائص الربوبية في المخضوع له .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق